التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة البحث عن الحقيقة قراء في رواية ساعة حرب ساعة حب لفيصل الأحمر

 

رحلة البحث عن الحقيقة

قراء في رواية ساعة حرب ساعة حب لفيصل الأحمر

الشريف حبيلة

جامعة الإخوة منتوري قسنطينة1

مقدمة:

ساعة حرب ساعة حب رواية للكاتب (فيصل لحمر)، ولدت لمساءلة المكان والإنسان والزمان عن الحقيقة، تحفر في الذاكرة، وفي الوعي الشعبي والنخبوي، علها تمسك بالحقيقة، حقيقة الحدث التاريخي، ليس لتختبره، بل لتعرف مسبباته، كي تستوضح وضع الإنسان الوجودي، والإنساني، رواية تسافر في الجغرافيا، وتستقر في رقعة صغيرة، تسند إليها صفات تجعل منها بلدا هو الجزائر، تمارس التحقيق الصحفي وسيلة للبحث والتقصي عله يسعفها بالحقيقة، وهناك في أعلى الجبل تكتشف الذات ذاتها، يذهب البطل بحثا عن حقيقة شخص، ليجد نفسه في مواجهة مع نفسه، حينها يكتشف الحقيقة التي هي حقيقته، وحقيقة بلد بكامله.

وها أنا ذا بدوري تورطني الرواية من أول كلمة، فأسافر كما قال (درويش) عبر الكلمات، باحثا أيضا عن الحقيقة، حقيقة الكتابة، تلك التي اقترفتها الرواية، وأكيد الكاتب (فيصل)، الذي يقف خلف ستارها يترقب، وذلك بعد أن جهزت كل أدواتي التي أستعين بها في مثل هذه الرحلات، وهي تشبه كثيرا تلك التي استعملها في رعاية نبتاتي، وقد اكتشفت أني أقف أمام المرآة، لا أدري كيف جعلتني الرواية أواجهني، ومثل البطل أكون وجها لوجه مع ذاتي، ولا تطول الدهشة، لأكتشف أني أنا القارئ، والراوي، و(قيس) البطل الذي لم نقابله لا أنا ولا الراوي وربما الكاتب أيضا، فقط نسمع عنه في كلام الشهود، ولا حتى الكاتب، إنما نمثل الذات الجزائرية التي تعاني القلق الوجودي بفعل صدمة الحدث، ثم تاريخ الحدث، والواقع.

اكتشفت بعد ورطتي أن الرواية تفكر، وتدفعنا للتفكير، في وضعنا الوجودي، ومن ثم مصيرنا في هذه الجغرافيا التي تسمى الجزائر.

لن أطيل في هذه المقدمة، وسأحكي لكم قصة ورطتي مع رواية (ساعة حرب ساعة حب)، ومع الراوي كانت البداية.


 

أولا- العودة إلى نقطة البداية:

من البداية نعرف أن البناء العام للرواية (في شكل اعترافات)، تحقيق، فهي عبارة عن كراسة لمحقق تلفزيوني هو الراوي، يسجل فيها تقريره يوميا، حتى وصلت الأيام إلى أربعة عشر يوما، حيث يمثل كل يوم فصلا، لتتكون من أربعة عشر فصلا، ويكون رقم اليوم هو عنوان الفصل إلى جانب كراسة المحقق.

يبدأ الخطاب بأسئلة قلقة، عن معرفة الآخر، عن معرفة الذات، عن معرفة الحقيقة، وهي أسئلة وجودية يفتتح بها الراوي مسار التحقيق، والتحقيق نفسه وسيلة للبحث عن الحقيقة، حقيقة الآخر، حقيقة الذات، والحقيقة بالمطلق <<إلى أي حد يمكننا أن نزعم أننا نعرف الآخرين؟ إلى أية درجة يصدق من يعتقد أنه يعرف نفسه؟ ويبقى السؤال العالق الذي يؤسس للوجود ويفسره ويؤوله هو ما هي الحقيقة؟ فلقد أشعل الفيلسوف قديما شمعة في وضح النهار باحثا عن الحقيقة>>(فيصل لحمر: ساعة حرب ساعة حب، دار الألمعية للنشر والتوزيع، الجزائر ط2/20013 ص7)، ولم يخبر الرواة ما إذا كان قد وجدها. سؤال يحير الراوي، ولعل كراسته تتضمن بعض شذرات الإجابة، حيث ندرك في مستوى التأويل أن الإنسان، وليس الفيلسوف وحده أشعل نفسه وأشعل الآخرين، وأشعل الوطن، وأشعل الأحداث؛ عناصر تختلف تماما عن تلك التي توسلتها الرواية في بداية مشواره نحو البحث عن حقيقة (قيس) مثل (الحاسوب، أجهزة الإحصاء، أنوار الغرف -وهي رمز دهاليز المعرفة عبر التاريخ-، السيارة وقس عليها كل الوسائل الأخرى -في رحلة للبحث-) ورغم تطور التكنولوجيا من الشمعة إلى الحاسوب، تنتهي إلى <<إطفاء الشموع والمشعلات كلها ولا ترغب في شيء سوى النوم>>(ص8)، وينغلق السرد في بدايته على النهاية التي تأتي مؤكدة هذا الانغلاق والفجوة التي أحدثها غياب الحقيقة، وعجز الإنسان الجزائري بالخصوص الإمساك بها في لحظة حرجة ومؤلمة وعنيفة، وينتهي التحقيق، وتنتهي الرواية بالأسئلة نفسها التي بدأت بها، <<وتبقى الأسئلة نفسها مطروحة>>(ص204).

وهنا نكون أمام سرد دائري، ينساب ليعود من حيث بدأ، تتخلله فجوات بفعل التقسيم وفق أيام في كراسة تسجل الاعترافات التي بدورها متقطعة، وتختلف باختلاف الأشخاص المعترفين وصلت حد التناقض، والسرد بهذا البناء يعبر فنيا عن القلق الوجودي الذي تعيشه الذات الكاتبة، والذات الراوية، والذات الجزائرية عامة، حيث نلمس توافقا بين البناء العام للرواية، وما تعبر عنه من قلق أحدثته الرغبة الجامحة في معرفة الحقيقة، حقيقة الذات وحقيقة الآخر وحقيقة الوطن.

ثانيا- لقلق الوجودي، ورحلة البحث عن الحقيقة: الراوي محقق تلفزيوني يحقق في شخصية (قيس بوعبد الله) الذي التحق بالعمل المسلح، ثم تاب. يسير وهو يبحث عن حقيقة في خطين متوازيين، حقيقة يريدها التلفزيون على هوى المسؤولين، وحقيقة يريدها الراوي، تدفعه لهفة السؤال، والرغبة في المعرفة، فمعرفة حقيقة (قيس/الآخر) هي معرفة للذات، ولما حدث. وهو في ذلك يروي بضمير المتكلم والشاهد على الأحداث، لا يؤثر في مجرياتها، لكنه دوما يوحي في مستوى إعداد التقرير كي يُعرض على المتلقي، بأنه سيحذف وسيركب ويغير<<هآنذا أقطع وأركب...أختار ما يناسب وأترك غير المناسب...كان الأمر قديما يمتعني كثيرا لأنني كنت أرى نفسي إلها بطريقة خاصة أما الآن فلم أعد أتمتع على الإطلاق...إنه عمل أبناء الحرام...أنا لم أكن هكذا...هآنذا أحذف التعابير التي تعلي من  شأن هذا الرجل...سأحذف كل ما قيل...كلهم يحبونه...والذين يقولون في حقه أشياء سيئة أو باردة يبدون هم أنفسهم حقيرون... بالله...ما أضعفني!...ما هذا الخصاء كله؟!...>>(ص201-202)، وهنا قصة قيس تروى مرتين؛ مرة كما يحكيها أصحابها وتنقلها الرواية، ومرة في مستوى خيال القارئ، حيث يتوقعها ويبنيها، معتمدا تصريح الراوي بأنه سيعطيها صورة حسب أوامر المسؤولين أثناء عملية التركيب –لأنه حسب ما يبوح به يرفض تشويه الحقيقة، ويراه عملا حقيرا: <<ها إنني أصل إلى هذه المدينة... الشاحنة والأجهزة معي... شاحنة غير مبالية وأجهزة صماء صامتة لا تعلم شيئا عن قلقي المستمر وأنا أحقق لفائدة تلفزيون يحكمه منطق أعمى غير مبال بالحقيقة التي قضيت سنواتي الأولى كلها مقدسا لها دارسا في المعهد والجامعة ومرتميا بين أحضان الكتب بحثا عنها...والآن وقد تخرجت بدبلوم أعمى لا مبال أجدني أمزق جسد الحقيقة ككل يوم عدة مرات لفائدة الإله الأعلى اللامبالي المتحكم في رزقي...مدير التلفزيون الذي يخضع لآلهة أخرى أكثر سلطة...وكلها في الخدمة...كلهم مستعدون لجمع وثائق حول الأشخاص...الكذب...تحويل الحقائق...التلاعب...ثم يأتي السحرة الكبار (تقنيو المونتاج) يلقون عصيهم فإذا بها حيات تسعى تلسع كل العيون التي ترفض التفرج على غير الحقيقة>>(ص11).

 وفي مستوى آخر تسأل القراءة: ألم تمارس الرواية نفسها الحذف والتركيب على القصة الأصلية؟ أليست الرواية هي التقرير في صورته النهائية نفسها؟

وهنا السؤال: هل ما قرأناه هو القصة الأصلية قدمها الراوي وخلفه الكاتب كما هي، أم هو صورة ثانية للقصة الأصلية؟ هل ما نعيشه هو الأصل؟ أم ما نتخيله؟

سؤال يدفعنا الراوي إلى طرحه بالطريقة التي يبني بها الكاتب نصه، وربما هو السؤال نفسه الذي حير الكاتب ثم الراوي، وتورط فيه القارئ مثلي أنا تماما.

حيرة البحث عن الحقيقة جعلت الراوي يعيش قلقا وجوديا تسببت فيه مهنته كصحفي، فقد تعلم خلال سنوات تكوينه أن مهمة الصحفي هي نقل الحقيقة، لكنه يكتشف ميدانيا أن الحقيقة يصنعها الأقوياء <<كل سنوات تكويني...تعب أبي...الجزائر كلها تشحد سيوفها من أجل أن أتعلم وأصير إلى ما صرت عليه...أموال...آمال...ساعات انتظار برامج تكوينية... كلها لا هاجس لها سوى جعلي أنجح وأصير إلها صغيرا من آلهة الكتابة والإخراج...ساحرا يصنع الصورة للجزائر...وها أنني أخون كل ما مضى ولا هدف لي سوى تسويد صفحة رجل لا أعرفه!!>>(ص11)، تحضر عبارة (وها أنني أخون كل ما مضى) لتنفي زمنا كاملا، هو عمر، بل جيل، وجهد وطن تلخص كل ذلك كلمات الراوي (كل سنوات تكويني)، والهدف (تسويد صفحة رجل لا أعرفه)، ومن ثم يسائل الراوي نفسه وجيل السلف الممثل في (الأب)، رغم أنه وظف فعل الخيانة بصيغة (المتكلم) غير أن سياق الرواية، يبين أن الخيانة كانت عبءا، وفرضا على الراوي، لتصبح عملا مشتركا يتورط فيه جيل الأباء وجيل الأبناء، ورطة تمثلت في (تسويد صفحة رجل) لا يعرفه الراوي.

هذا الأب هو الذي دمر حياة أبطال (بوجدرة)، وأرهق أبطال (الطاهر وطار)، ولم يشف من ساديته، فيستبد ولو لاشعوريا في (كراف الخطايا) لـ(عيسى عبد الله لحيلح)، ثم يتسرب لكتاب الجيل الموالي، ويفاجئنا هنا في هذا النص، إنه لا يريد التخلي عن سلطة استبد بها عقودا، يحضر عنوة في النصوص، ويفرض إرادته على فعل الكتابة، ونندهش سائلين: هل هو الكاتب الفعلي لهذه النصوص؟ يبني المتخيل السردي ويشكله، عابثا به وبأبطاله، فارضا إرادته على الكاتب؟ هذا الأب (الهو) هل سلب بمفهوم التحليل النفسي قدرة الأبطال على صناعة حاضرهم، هل مارس عليهم فعل الخصي وتركهم يعيشون في جلبابه جيلا بعد جيل من أبطال الروايات؟ وهل سنشهد تمردا للأبطال في نصوص هذا الجيل المتأخر من الكتاب الشباب، كما فعل (منصور) في (كراف الخطايا)؟ أم أن الأب سيبقى في متخيل الكتابة، ما دام هو صانع الواقع الفعلي الذي يعيشه الكاتب، الواقع الذي يشكل بدوره مادة الخطاب الروائي، منه يستقي وقائع رواياته، ولا يجد مناصا من هذا الأب المعتوه المتسلط- الوصي على جيل الأبناء وعلى الوطن، يسائلهم، ويتهمهم في الوقت نفسه.

 وبما أن قيسا يرتقي لمستوى الرمز بتعاطف الجميع معه باستثناء السلطة، وبعض المثقفين الأغنياء، فهو هنا يمثل غالبية الشعب، ليصبح التسويد تسويدا للشعب وللوطن، فتكون الخيانة مزدوجة؛ خيانة للمهنة، ولتعب السنين، وخيانة للوطن، وبما أن الجميع متورط، تكون الخيانة خيانة للذات التي عبر عنها الراوي، من خلال الصراع النفسي الذي يعيشه ويشعر به، وهنا يتأسس القلق الوجودي، ويأتي السؤال عن مغزى الوجود، وجود الذات، ما الذي تفعله بمصيرها؟ وهل فعلا تتحكم في هذا المصير؟ ما جدوى ما تقوم به إن كان ضد الحقيقة؟ هل تكفي الشهرة في المهنة كي تشعر الذات بوجودها (أنا مشهور أنا موجود)؟ هل النجاح في المهنة تحقيق للوجود، ولو كان على حساب الحقيقة؟ وتطول سلسلة الأسئلة الوجودية التي تسببت في قلق حاد عاشه الراوي، ويعيشه بسبب مهنة صدم بواقعها الفعلي وحقيقتها في الميدان.

يتجاوز قلق الذات الذي تسببت فيه مشكلة الحقيقة ليشمل الزمن، الذي يصبح موضوعه الأساس: <<لا أحد يقوى على تجاوز أيامه المقبلة التي يرتاح إلى كونها سوف تشابه أيامه السابقة...الأمل الوحيد في المستقبل هو استعادة الماضي الذي يبدو مسالما حينما يمضي وينتهي أمره...الماضي الذي يكون غامضا تماما قبل مجيئه ثم يتحول إلى جحيم من القلق والواجبات والضغط والآلام أو الفراغ...من الملل والضجر من الأماني...جحيم حاضر جدا جدا...جحيم غير قابل للاختزال...ثم يمر ويتحول إلى ماض...ماض جميل نتحسر عليه ولا نعلم لماذا نحن إليه...نحلم به جميلا بهيا..>>(ص9-10).

بالرغم من وعي الذات/الراوي بالزمن إلا أنها لا تستطيع تحديد علاقتها به، وعي يعبر عنه النفي في عبارة (لا أحد يقوى)، نفي نابع عن يقين، وعبارة (الأمل الوحيد...هو...)، وعبارة (الماضي الذي يكون...)، وعبارة (جحيم حاضر جدا...يمر ويتحول...ماض جميل...)، مبنية على يقين، بأسلوب توكيد من حيث الدلالة، وإن كان في أغلبه خبريا من منظور بلاغي.

ورغم صدور وعي الراوي بالزمن عن رؤية عميقة تكشف عنها اللغة، إلا أن القلق يربك هذا اليقين، ويحول الوعي إلى ألم نلمسه في الملفوظات (لا أحد يقوى على تجاوز أيامه المقبلة التي يرتاح إلى كونها سوف تشابه أيامه السابقة)، النفي هنا يستغرق الجميع (لا أحد)، يقين يعمق اليأس من قدرة الناس على تغيير الزمن الحاضر، ولا القادم (المستقبل)، وهو ما يجعل الذات قلقة تجاه الزمن، كونه متشابه ماضيه كحاضره ومستقبله، بحيث يستحيل تجاوزه، ولو كان الأمر يخص ذات الراوي وحده لهان الأمر، وفتت حدة التوتر والقلق، أما أنه يشمل الجميع، فذلك تهديد لوجود المجتمع كاملا، فلا مستقبل يمكن ربط الأمل به، ويبقى (الأمل الوحيد في المستقبل هو استعادة الماضي)، عبارة تؤكد وعي الراوي بالزمن، وهو ما يزيد في ألمه، يدفع عنف الحاضر المعاش، الناس ليس إلى بناء مستقبل أفضل، بل الحلم باستعادة الماضي، يصرح الراوي ضمنيا: أن الأحداث جعلت وتيرة الزمن تسير بالناس إلى الخلف، بحثا عن الماضي، لكنه ماض (يتحول إلى جحيم من القلق والواجبات والضغط والآلام أو الفراغ...من الملل والضجر من الأماني)...يصنعه (جحيم حاضر جدا جدا... غير قابل للاختزال)، ليبقى الماضي (جميل نتحسر عليه ولا نعلم لماذا نحن إليه...نحلم به جميلا بهيا)، ودون أن يبوح الراوي نقرأ في لغته السؤال: هل كتب علينا العيش نحلم بالماضي، بدل المستقبل؟ لا تجد الذات سببا لهذا الانحدار الذي يحكم مسار الزمن إلى الوراء، ويجر معه الذات التي تعاني القلق من زمن تعجز عن التحكم به، وتسقط أسيرة الماضي، يدفعها إليه الحاضر قصرا، ويحجب عنها المستقبل.

ويعاني الراوي قلقا آخر نابعا عن مهنته، صحفي في التلفزيون العمومي، ولا يخص الأمر صعوبة المهنة، بل يخص صورة التلفزيون في وعي الناس، إذ تشكلت لديهم صورة سلبية عنه، ومن ثم عمن يشتغلون فيه، ذلك أنهم يعتقدون جازمين كما علمتهم التجربة، أن هذه المؤسسة مهمتها تزييف الحقيقة، وتزييف الواقع الذي يعيشونه، وأن الصحفيين ينقلون عكس ما يحدث، وهنا وجد الراوي مراسل التلفزيون نفسه في مواجهة مع مهنته، هذه المواجهة صنعها رفض الناس له <<المهمة أعسر مما كنت أعتقد. الناس مسكونون بكرهي دون أن يعرفوني...ورثوا كرها غامضا تجاه كل ما أمثله مثلما ورثت أنا تمثيل هذا الجانب دون وضوح.>>(ص27)، مواجهة الناس له بموقفهم جعلته يشعر بكرههم له، تدلل عليه عبارة (مسكونون بكرهي)، مع إدراكه أسباب ذلك، فهو ممثل لتلفزيون يشوه الحقائق، تلفزيون يمثل السلطة المتسببة في تعاسة الناس، ورفض هذا الجهاز من خلال صحفيين، نقل هذه التعاسة كما هي في الواقع، الأمر الذي جعل مهمته صعبة، فكيف سينجز تقريره، بين ناس يطالبون بنقل الحقيقة، ومسؤولين يطلبون حقيقة يصنعونها هم. وهنا تعيش الذات/الراوي قلقا تجاه مهنتها.

ولا يبرئ الراوي نفسه، بل يدرك من تعامل القرويين معه ممثلا للتلفزيون، أنه هو الكاميرا، هو التلفزيون نفسه في عيون الناس، هؤلاء الذين وقف على معاناتهم، وعاينها بنفسه، <<شعرت بالكره وأنا أعاين ما سجلناه اليوم... إنهم يتكلمون –حينما يوافقون على الكلام أصلا- وينظرون صوب الكاميرا والكاميرا هي الشاشة والشاشة هي المتفرج.. هي أنا ومحمد المصور..هي أنا الآن...هي أنا فقط..مساكين في هذه المناطق النائية...الخراء كله عليهم يدفعون ثمن جريمة لا يعلم أحد من ارتكبها...>>(ص27-28).

 أن تنقل عكس ما يحدث، ومن ثم تقف على الضفة المقابلة لقناعاتك، ولشرف المهنة، يجعلك متماه تماما مع أداة التشويه (أنا الآن...هي أنا فقط) بل تصبح أنت وسيلة التشويه أنت الكاميرا التي تختار ما تنقل، وتمارس فعل التركيب (تداخل ذات الراوي مع الآلة/الكاميرا)، (تعاطف الراوي مع القرويين). هو يدرك حقيقة المأساة، يراها، يسمعها، لكن عمله في التلفزيون حوله إلى آلة وظيفتها التشويه، تشويه الحقيقة، يعيش قلقا وفصاما، ووعيا بالمسؤولية تجاه الحقيقة، هي الذات/الإنسان، المدرك لوضعها ولوضع الآخر، والذات الصحفي، الآلة التي تعمل وفق ما تبرمج له، يعيش صراعا بين إنسانيته وتشيئه، (الإنسان/الشيء)، <<مهنتي ترغمني على الانمحاء... يجب أن لا أدخل في تنظيم هذه اللغة التقنية...أحيانا أجد نفسي أعبر بوجهي تلقائيا عن شعوري بالشفقة تجاه هؤلاء المساكين وهو أمر قد يدفع بعضهم إلى المبالغة... وهذا يسمى النقص في الفاعلية والإخلال بشروط العمل>>(61). لكن شروط العمل، ليست تلك التي تعلمها نظريا، والآن يراها ميدانيا يوتوبيا، مجرد حلم، اغتالته السلطة التي وضعت شروطها الخاصة لهذه المهنة، مهنة الصحافة، نزاع في الرؤية والموقف، ومن الطبيعي أن يكون الموقف وليد الرؤية، لكن الراوي يعيش خللا، أنتج هوة بين الرؤية التي شكلها عن مهنة الصحافة ورسالتها في نقل الحقيقة والكشف عنها، وبين الموقف المحكوم بشروط تلفزيون السلطة.

وهي قضية تقود إلى موضوع حرية الصحافة، في الأنظمة الاستبدادية، التي توظف وسائل الإعلام لترسيخ حكمها، والمحافظة على استمراريته، ومن ثم تقديم مفهوم أحادي للحقيقة، التي لا تكون إلا كما يرون ويقولون، وليس كما هي في الواقع، هنا نقف على مشكلة أخرى، وهي رؤية الآخر الواقع تحت رحمة الاستبداد، أولا الراوي من جهة وهو يعاني أكثر نفسيا، لأنه يشعر بالانتماء إلى هؤلاء الناس، فقد جاء منهم إلى مهنة الصحافة، هو ابن هذا الشعب، ومن جهة هو ابن هذا النظام، الذي اتخذه وسيلة لترويج حقيقة وفق رؤيته الأحادية، ومن جهة هناك القريون الذين يعانون، لكنهم لا يعيشون صراع الراوي، كونهم يعرفون الحقيقة، ويعرفون صورة الحقيقة التي شكلها الاستبداد عبر وسائله، وليسوا مضطرين لسماعها، هم يعيشونها، هم ضحيتها.

ثالثا- سؤال الهوية، هوية الذات/الراوي: يأتي الراوي لإنجاز تقرير، فيجد نفسه في رحلة للبحث عن الذات، يقوده ما عاشه من قلق تجاه الحقيقة، وانشطار الذات، إلى طرح السؤال: (من أنا)، لكنه سؤال، يسأله من خلال الناس، يتخذهم معادلا موضوعيا، كي يسأل: <<أسمع أعينهم وجوارحهم جميعا...وأسمع صمتهم أيضا:

من تكون؟...

من أنت؟...

كيف تنظر إلى نفسك؟

ما أنت؟...

...مجبر على احترام تتالي الأسئلة...على الحرص على السير الحسن للتسجيل>>(ص61)، نلمس في ذلك صعوبة السؤال، صعوبة تعانيها الذات، فهي لا تستطيع أن تسأل مثل هذا السؤال في مستوى الوعي، لأنها تدرك المتاهة التي يفتحها، عبر سؤال معاكس (هل فعلا لا تعرف الذات ذاتها؟ هل الراوي يجهل من يكون؟ لا يعرف من هو؟)، لذلك يفضل الصمت (وأنا مجبر على صمتي وبرودة أعصابي)، لكنه صمت شكلي، تفضحه الأجوبة المتتالية، التي تريد الذات من خلالها تحديد هويتها، <<إنني حشرة حقيقية...لم أكن أدري أنني آيل إلى هذا المصير وإلا لكنت اخترت عملا آخر أقرب إلى الواقع...أقل مالا وأقل شهرة وأقل شرا!!!...>>(ص62)، يأتي الوصف (حشرة) ليلغي صفة الإنسانية عن الراوي، فمن صفات الإنسان أن يشعر بالآخرين، ويعيش آلامهم، وينقلها بصدق في مثل مهنته، وعندما يعجز عن نقل الحقيقة، والسكوت عن تشويهها، بل المشاركة في فعل التشويه، لا يكفي الشعور وحده، لأن مثل هذا العمل يصبح منفصلا عن الواقع، وبالتالي عن الناس، ويصبح الشعور كذبة تعيشها الذات، وتتحول أداة للشر؛ تدمر الحقيقة، وبتدميرها هذا تدمر الإنسان، الإنسان الذي هي عليه، فتتحول إلى حشرة.

يحرره ذلك الشعور اتجاه نفسه، ويمتلك الشجاعة ليسأل هذه المرة مباشرة: <<من أكون؟ من أنا؟ كيف أنظر إلى نفسي؟ ما أنا؟>>(ص62). هنا ينظر إلى نفسه في عيون الناس، في مستوى أول، ثم ينظر إلى نفسه في مرآة ذاته، <<أعلم أن هذا الكلام يجعلك تبتسم في دخيلتك واصفا إياي بالريفي الجاهل الأحمق المهووس بالحرب العالمية الثالثة... إلا أنني أذكى منك وأوسع ثقافة ممن علموك...وأنت هو الأعمى>>(ص69)، تأتي عبارة (أنت هو الأعمى) مستحضرة فكرة أن الراوي المراسل الصحفي وظيفته تبصير الناس بالحقيقة، حقيقتهم، وحقيقة ما يحدث، تستحضرها لتفندها، متهمة المراسل/الراوي بالعماء، وكل ما يمثله، هذه الوسيلة تمارس العماء، فلا تبصر واقع الناس، وكان عليها أن تعرف بهذا الواقع كما هو، وبما أن الراوي يمثلها فكان هو من يتلقى موقف الناس من المؤسسة، وهو موقف من النظام عامة، في المقابل يعي الريفي موقف السلطة منه، والتي دوما يراها في التلفزيون الناطق باسمها، موقف استعلائي (الريفي الجاهل الأحمق المهوس بالحرب العالمية الثالثة)، هي رؤية أعمق مما تظهرها اللغة  على سطحها يحفر في أسباب العنف في البلاد، ويرى في الريفي أهم سبب في اندلاعه، تدفعه حماقته وجهله، دون حساب للعواقب، ولأن السلطة عمياء فهي ترى بعين واحدة، أو لا ترى، حقيقة ما يجري، أو ترى كما أخبر الراوي بكاميرا التلفزيون، لكنها تتعمد التعمية على الحقيقة، ولا تريد الاعتراف بالأسباب الحقيقية لاندلاع العنف، كما لا تريد أن ترى معاناة هذا الريفي وكل سكان القرية في أعالي هذا الجبل، المنسية هنا والمتروكة للجوع والعنف، هنا يكون الراوي الواجهة التي تتلقى موقف الناس، هو الخط الأول للسلطة.

يدفع موقف القرويين من الراوي/المراسل إلى مراجعة كل مسيرته، ليستيقظ في داخله الشعور بالانتماء إلى هؤلاء، تنتابه عاطفة الإحساس بـ(قيس)، إلى درجة التوحد معه، <<بدأ الرجل يسكنني...أحدق في صوره فأراه يتكلم...أراه يقول ما أسمع الناس على الفيلم يقولونه بلسانه...أصبحت أدرك، آراءه>>(ص79). و<<أعرف أنني مجنون بعض الشيء وأنا أتمنى لو عشت حياته...>>(ص79)، هكذا يقود البحث الراوي إلى حقيقة الرجل وحقيقة ما جرى ويجري، وحقيقة سكان القرية، بل يكتشف حقيقته هو، فيسكنه (قيس)، وما قيس سوى الحقيقة، لقد سكنته الحقيقة، فأدرك وضعه ووضع الواقع. وهنا يقوى عنده الشعور بالانتماء، (أتمنى لو عشت حياته)، يمارس الراوي نوعا من التطهير، حتى يحقق التوازن بين ما يؤمن به، وما يقوم به في الواقع، تماما مثل هؤلاء البسطاء في الجبل حيث القرية، التي ترمز بوضعها الاجتماعي والجغرافي للطهر، والتوازن، وقد تكثف ذلك في شخصية (قيس)، هكذا تكتشف الذات ذاتها، حقيقتها <<لست هكذا...أو لم أكن هكذا...يجب أن أنتبه أكثر إلى ما يحدث لي...>>(80) ، تعلن عبارة الراوي (يجب أن أنتبه أكثر إلى ما يحدث لي....) عن بداية مرحلة المراجعة، وراجعة مسيرة كاملة، للبحث عن الذات المفقودة في زحمة واقع مزيف صنعته الوظيفة.

وبعبارة <<كم هو طيب هذا الرجل...>>(ً113) ، يفتح الراوي عينيه على حقيقة (قيس)، التي هي حقيقة واقع القرية، وهي حقيقة ما جرى، ويجري، تسند صفة (طيب) إلى رجل صعد الجبل وحمل السلاح، ثم تراجع وتاب، لاكتشافه أن العمل المسلح لا يجدي في القضاء على الفساد وتغيير الواقع، واقع القرية التي هي الجزائر، (كم هو طيب) شهادة من الراوي على براءة (قيس)، نتيجة يصل إليها بعد تحقيق طويل دام أربعة عشر يوما، هي مدة قصة الرواية، علمته معايشته لأهل القرية أن الحقيقة لا تأخذ من التلفزيون الذي يشوهها، إنما من الواقع المعيش، كما مكنته من اكتشاف حقيقة الناس في القرية، وهم أنفسهم ممثلوا الشعب البائس الذي راح ضحية فساد سياسي، دفع (قيس) إلى حمل السلاح، ثم تراجعه عن ذلك معلنا فشل العنف كحل للمسائل السياسية، ورفضا منه له كوسيلة للتغيير، لذلك هو (طيب) فرغم اغتصاب حقه في الحياة الكريمة، يرفض أي وسيلة تدمر القرية ومن ثم الوطن، فهو عكس المسؤول الذي لا يبالي بمصير الوطن، إنه يهتم لذا تاب وتخلى عن السلاح، لأنه (طيب)، تحمل اللغة (قيس) إلى مستوى الرمز، وتجعل منه علامة تدل على الشعب برمته.

والراوي بذلك ومن خلفه الكاتب يقدم رؤية ترفض العمل المسلح وسيلة للتغيير، وتراه فعلا مدمرا، تدميرا ذاتيا، مع إدراكه لغبن الشعب، وسلبه حياته في هذه القرية البائسة، التي هي في مستوى آخر من اللغة الجزائر، يقف الراوي والكاتب إلى جانب الشعب ضد الاستبداد، ويرى من خلال (قيس) أن الحل لا يكمن في الفعل العنيف، مهما كان الضرر الذي ألحقه المسؤول بالشعب.

تأتي الرواية لتخبر عن إمكانياته الفنية والفكرية في التغيير من خلال تقديم أولا موقفا تجاه الأحداث، والخيارات المطروحة، ثم البدائل المتاحة للتغيير، وأولا الكتابة، وإن كانت الكتابة تعاني هي الأخرى، وإلى جانب الكتابة/الإعلام، الذي توجه له نقدا قويا، وتفككه من الداخل، وتكشف تحيزه للمسؤولين المتسببين الرئيسيين فيما وصل إليه الوضع، الإعلام الذي كان يمكن أن يكون وسيلة تغيير، لكنه اختار أن يكون وسيلة لتزييف الواقع، وتحويل الضحية إلى جان، يقدم الكاتب رؤية واعية بالواقع، تأتي روايته لتسجل موقفا، ثم تكشف زيفا، ثم تقدم بديلا هو هنا الكتابة.

وإذا كانت الروايات التي كتبت لحظة الأزمة في التسعينيات، أي كانت متزامنة مع العنف مصدومة، لم تسعفها اللحظة لتقديم رؤية أعمق، غير مرتبكة، فإن (ساعة حرب ساعة حب) استفادة من المسافة الزمنية التي بينها وبين أحداث التسعينيات، واستثمرت ذلك بوعي في تقديم رؤية أكثر تماسكا، ولعل أسلوب التحقيق يعبر عن ذلك، ولتكون نوعا من التفكير، التفكير بالكتابة.

رابعا- التنين يحترق بالحقيقة، وتلك مفارقة:

يبدو اسم التنين غريبا في مثل هذا الموضع، ومع ذلك يحضر التلفزيون كما تقدمه اللغة في مستوى التأويل تنينا، تجعله القرينتان الظاهرتان في ممارساته (الحرق، والخرافة) كذلك، يمارس الحرق، يحرق الحقيقة، وبدل الحقيقة يقدم الدعاية للخرافة، التي تغتال العقل في جمهور المتلقين، كيف ذلك؟

تعالوا معي لنلاحظ كيف يكتشف الراوي أن الوضع يختلف في القرية/الدوار عما عهده في العاصمة المدينة الكبيرة، ومن ثم النظرة إلى التلفزيون، وبالتحديد تغطيته لأحداث العنف، <<ما أعجب له كثيرا هو الصورة الواضحة التي يملكونها عن التلفزيون...صورة نقية لا تشوبها شائبة...كأنهم لم يفعلوا طوال حياتهم سوى التنقيب عن خبايا التلفزيون واشتغال المؤسسة وكواليسها وفضائحها>>(ص135)، ولد هذا الموقف مع أزمة الوطن، التي كانت نتيجة  محاولة تغيير وضع  مزمن بالنسبة لهؤلاء، ولجمهور الناس جميعا، خاصة المنفيين هنا في مداشرهم، وهم يختلفون عن الجمهور في المدن، الناس هنا في تماس مباشر مع الأحداث، مع الواقع الذي يحقق فيه مراسل التلفزيون هم يعيشونه، ولا يتلقونه من التلفزة، التي تحرق الحقيقة، وتؤسس للخرافة، بدل دفع العقل إلى التفكير، ولعل الرواية جاءت كي تقوم بهذه الوظيفة، وظيفة التفكير، والتفكير فيما جرى، وتجاوز الرأي العام الذي يصنعه الإعلام، أو ما يمكن تسميته جمهور التلفزيون، حيث <<تظل الحقيقة في مهب الريح...ساعة تهدأ وساعة تهتز...أحيانا تطير وأحيانا تنام...وهكذا...>>(ص205).

 والحقيقة المنشودة في الرواية، هي حقيقة الحدث، الذي تمثله شخصية (قيس)، لكن التلفزيون ينشد أمرا مخالفا، وباعتراف الراوي ممثله الرسمي، يأتي إلى القرية مراسلا، فينقلب على مؤسسته، كان هدفه الذي يعرفه القرويون تحريف الحدث، بتشويه شخصية (قيس)، وبذلك حرق الحقيقة، وتغييب العقل ليسلم بكل ما يراه بلا تفكير، غير أن معايشته واقع القرية جعلته إلى جانب المتلقي يسير في خط مواز لخط التلفزيون، فقد تحول  هذا الجهاز التواصلي وسيلة خطيرة في صناعة الوهم، وحال كائنا خرافيا، ينفث النار في جسد الحقيقة.

يظهر التلفزيون قدرة عجيبة في تشكيل الشخصيات، وإعادة صياغة أقوال الناس، يخلق لغة موازية، للغة الأصل التي أدلى بها أصحابها، يبني واقعا متخيلا، هو صورة محرفة للواقع الفعلي، ويجعل منه حقيقة، يتموقع كوسيلة للسيطرة، وتوجيه الجمهور، يجري التحقيقات، ثم يعيد تركيبها وفق المصلحة التي تخدم المسؤول، و<<من هذا المنظار، لا تبدو حرية الصحافة على أنها الضمانة التلقائية لانتصار الحقيقة>>(فيليب دوفور: فكر اللغة الروائي، ترجمة هدى مقنص، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ط1/2011 ص251) يصرح الراوي واصفا وحشية التلفزيون التنين في طريقة تعامله مع الوقائع، وبذلك يلتقي صوته بصوت الناس الذين يحاورهم، رغم غاية التلفزيون في جعل الصحفي السيد، المتحكم في الحدث، وصانع الشخصيات.

ويأتي خطاب الراوي الجديد نتيجة تأثره بموقف الناس ونقدهم للتلفزيون، ووقوفه المباشر على واقعهم، وهكذا يراجع موقفه تجاه المؤسسة التي ينتمي إليها وظيفيا، مع اعترافه بعجزه عن الانسحاب، أو اتخاذ قرار حاسم، يصرح مرتبكا: <<أعتقد أنني بدأت أصاب بعدوى حبك...أو العطف عليك...أم أنك تؤنبني لأنني مجبر على الكذب إرضاء لهم؟...ولكن ماذا تريدني أن أفعل؟...لا استطيع التضحية بكل ما أملك...الدنيا هكذا...>>(ص174)، يعترض المراسل على مؤسسته، التي بدل تقديم الحقائق، تقوم بتدميرها، حجتها حماية المواطن من الأفكار المدمرة، بهذا السلوك تصبح الوسيلة الإعلامية تمثيلا لسوء استعمال السلطة، وابتعادها عن طبيعتها الأساسية، التي تجعل منها فضاء ديمقراطيا، تسمح بالرأي المخالف، وتوصيف الأوضاع كما هي في الواقع، دون فبركة. تدفع هذه الأسباب التلفزيون نحو السقوط حتى لدى موظفيه، ومنهم الراوي الرافض لمهمة التشويه، تشويه شخصية (قيس)، ومن ثم تحريف الأحداث، فلم يعد وسيطا أمينا ينقل هموم الناس، ويشرح تطلعاتهم وطموحاتهم، ويعبر عن آمالهم، وآلامهم، خاصة هؤلاء المنسيين في مداشرهم أعلى الجبل، لقد تنكر لرسالته الأساسية، وقتل في الصحفي روح النقد، سلبه القدرة على الإبداع والتفكير، وسخره للمرافعة عن قضايا ليست هي قضايا الناس، في جو بعيد عن فكرة الديمقراطية، بل صار الصحفي بممارساته صورة أخرى للسلطة، جعلت الناس في الجبل يرفضونه، ويرفضون ما يمثله، يرون فيه التنين الذي أحرق الحقيقة، ومعها أحرق كل آمالهم في التغيير، ولا يخفي الراوي المراسل ذلك فيعترف: <<انتهى العمل... فراغ كبير يملأ صدري...وأنا عاجز عن تغيير الأمور...عاجز عن الكف عن ظلم رجل لا أعرفه تماما...ماذا أفعل يا إلهي...لقد جئت العالم وقواعد سيره موضوعة منذ القدم...لا أقوى على تغيير الأشياء...لا أملك أن أزحزح القواعد...المنظومة قوية جائرة إذا حاولت اللعب معها تكسرك وتقسمك نصفين...ماذا أفعل؟>>(ص204).

ماذا أفعل؟ سؤال يوقع الصحفي في اللامبالاة التي تحدث عنها (زيما)، حيث يستوي عنده –رغم رفضه واعترافه بخطأ ما يقوم به- الحقيقة والزيف، ويبدو انتقاد الكاتب (فيصل) بالكتابة الروائية ملاحظة موضوعية لما يمثله التلفزيون، <<وليس خطئي أن الجزائر بلاد شابة...السلطة فيها عمياء لا يحكمها قانون...والناس فيها بسطاء جهلة لا يقلقهم الجوع والعراء...ولا يزعجهم الضباب المحيط بهم...

ليس خطئي أنا أن العالم كما هو في هذا الجزء منه...

ربما كان علينا أن ننتظر أكثر...قد تكون الحقيقة الكبيرة التي في هذا الفلم أنه علينا أن ننتظر أكثر؟>>(ص206).   

يحضر موقف الناس وانتقاد الراوي للتلفزيون علامة تنتج معنى الخسارة، خسارة التلفزيون لجمهوره من جهة، وخسارته للمصداقية من جهة أخرى، يفتقر لفكرة المشروع، ومن خلفه السلطة، التي تتحكم فيه، تلخص قاعة التحرير وظيفته، أين تعاد صياغة أقوال الناس، وتعدل مواقفهم، بلا أي اعتبار للحقيقة، ولا احترام لشرف المهنة، والنتيجة: يبيع الراوي/الصحفي جهده رغم عدم قناعته بالشهرة أو المال، ويقع ضحية الاستلاب، يدفعه الواقع المعيش إلى التبرير من أجل راحة نفسية مكذوبة <<ويبقى عزائي الكبير أنني لم أكذب إلا في إطار الحقيقة التي قالوها أو في إطار ما أعتقده أنا نفسي حقيقة...عزائي الوحيد أنني أنا نفسي لم أكذب إلا جزئيا...>>(ص174) ، لذلك يستمر في مهمته: <<لي طرق خاصة في التركيب تسمح بقطع حديثها بتدخلين أو ثلاثة تقلل من حرارة الحديث المتواصل... سأختار لها موسيقى تبرد الانفعلات...كل هذا بسيط وهي نفسها ستتفاجأ من كونه كلامها، وستقول دون شك "أعتقد أنني قلت أشياء أخرى..." هذه الأشياء اختصاصي...هذه الأشياء مصدر رزقي بالدينار وبالدولار...>>(ص149)، بينما يقف الكاتب من خلفه منتقدا، غاضبا، تصبح الصحافة أسلوبا لتمرير رؤية سياسية لصالح فئة مسيطرة، بدل أن تكون فنا وفكرا تحكمها المهنية.

تزداد وظيفة التلفزيون والراوي قتامة كلما كشف السرد عن دورهما في تغييب الحقيقة، وتزييف الوعي الجمعي، تكشف عن ذلك اعترافات الراوي، وهو يتحدث عن طبيعة وظيفته كصحفي <<أشعر أحيانا كأنني أحسن العمل إلى درجة كبيرة لكي أشتري خطيئة المحتوى الكاذب...ما أخطر هذه الأمور!...>>(ص204)، وهنا يكتسب التقرير الصحفي عن شخصية (قيس) بجمالياته  قيمة فنية، يبرع الراوي في إعداده، بينما يقف الكاتب أيضا بتحفته الروائية منتقدا دور الصحافة، التي انحرفت عن وظيفتها الأساسية، وهو يفعل ذلك انطلاقا من الوسط الصحفي كونه صحفيا، عارفا بخفايا هذه المهنة، لقد أراد تفكيك التلفزيون من الداخل باختياره بطلا من وسط الصحافة، ثم اسند له مهمة الراوي بضمير المتكلم، ليتكلم بلسان المؤسسة، ولا ينوب عنه راو بضمير الغائب، يتحدث عن لسانه، الأمر الذي يحمله إلى درجة الشاهد، شاهد على اغتيال الحقيقة.

يقع الراوي في مفارقة عجيبة، وازدواجية يعيشها منذ أن تطأ قدمه أرض القرية، ومع أول شهادة لسكانها؛ وبينما يحتم عليه واجبه كمراسل للتلفزيون إنجاز التقرير الخاص بـ(قيس) وفق المعايير المحددة من طرف المسؤولين، والتي تختلف عما صرح به الناس، يرفض ضميره المهني بقوة تزييف الحقائق، ليعيش صراعا عنيفا تنتهي الرواية ولا ينتهي، تاركا النص مفتوحا على احتمالات القراءة.

وهكذا يصبح ما يقدمه التلفزيون محط اتهام (لغته، صوره، أخباره، تقاريره...)، تلتبس فيه الحقيقة بالزيف، حيث يمكنه إقناع العواطف، بينما تأبى العقول التصديق، ويتحول الصحفي/الراوي في نظر الناس إلى سفسطائي، يواجه رفضا قويا، واستنكارا؛ هو رفض لمؤسسة التلفزيون، ومن يقف خلفها.

وكأن بالتلفزيون يعمل على توحيد الرأي العام تجاه (قيس)، لكن بوجهة نظر واحدة يقدمها هو، ويفرضها، يضعف روح النقد لدى الناس حتى لا يبقى من يعارض روايته، وهو الأمر الذي عجزت السلطة بوسائلها (التلفزيون) عن تحقيقه، والسبب هو اعتماد الفرد على جماعته الاجتماعية والفكرية، وليس على وسائل الإعلام، فقد واجه الراوي رفضا واسعا فقط كونه من التلفزيون المتهم بتزييف الحقائق، لذا يتأسس السؤال الآتي: ما هي قيمة الحقيقة في عرف التلفزيون؟ هل التقرير الذي يعده الراوي عن (قيس) نوع من السفسطة أم توجيه نحو الحقيقة؟ هل يمتلك القدرة على التأثير في جماهير المشاهدين (وإن كانت الرواية بلغتها قد أجابت عن هذا السؤال)؟

خامسا- التفكير خارج العلبة:

وبالعودة إلى الخطاب الذي أسسه (فيصل لحمر) فإن التلفزيون يعمل على خصي الفكر وجعله عقيما، بدل تنوير العقل <<هآنذا أحذف التعابير التي تعلي من شأن هذا الرجل…سأحذف كل ما قيل…كلهم يحبونه…والذين يقولون في حقه أشياء سيئة أو باردة يبدون هم أنفسهم حقيرين…بالله…ما أضعفني !... ما هذا الخصاء كله؟!...>>(ص201)، يحضر الراوي المحسوب على التلفزيون شاهدا على ذلك، وبسببه يعيش قلقا كبيرا، وترددا في إنجاز مهمته، وترددا آخر في الطريقة التي سيعد بها التقرير، تحت ضغط الحقيقة التي جاء يبحث عنها، وفق ما كان يتصوره هو، لا كما صدمه الناس بها فعلا. يشعر تجاه نفسه بالاحتقار، لا يملك حرية التفكير. ويشير هذا التحول إلى الأنساق المضمرة للتلفزيون كتمثيل للسلطة الفعلية، حيث تتجذر البنية الفكرية التي تحكم الإعلام باعتباره وسيلة لا للتعبير عن الرأي والرأي المخالف، بل لتكريس رأي واحد لمصلحة فئة واحدة؛ تصنع الراهن، وتحدد الموضوع وطريقة عرضه، بحيث لا يكون هناك مسار يسمح بأي نوع من التعدد.

ويقدم الراوي صورة عن هذا الوضع: <<خذ قرارات جديدة.........كذب على النفس

قرر حرق جميع ما صورته وإنقاذ الرجل من عار ستلحقه به....كذب على النفس

قرر إكمال العمل كما يرضيك.....مغامرة تنتهي بعزلك عن التلفزيون...

اطرح أسئلة ولا تجبها.........حياة

أجب عن الأسئلة كما تريد أنت.........موت

أجب عن الأسئلة كما يريدها مديرك ومديروه....عودة من إلى موت...

والحل؟.......سؤال !>>(ص183-184)، يكشف المقطع عن قهر يعانيه الموظفون في هذه المؤسسة، يتمثل في قهر الضمير، وكبت الحرية في نقل الواقع كما هو، وخصي الفكر، حيث يأتي التقرير في هذا السياق ليجعل من الراوي يعيش الانشطار، بين ضمير مهني يريد نقل الحقيقة، ووظيفة تجبره على تزييف هذه الحقيقة تبعا لرؤية السلطة، وإنتاج خطاب سلطوي، لا يمارس الإقناع، بل يفرض رؤيته على المواطن. وإن كان الناس في القرية متصالحين مع ذواتهم تجاه الواقع الذي يعيشونه، حتى وإن اختلفت مواقفهم تجاه هذا الواقع، فإن الراوي وباعتباره عضوا في المجتمع فإنه يعاني استلابا على مستوى الذات، يعرف الحقيقة الآن، غير أن المهمة الموكلة إليه هي تقديم فكرة جاهزة عن (قيس)، بدل تلك التي شكلها الناس انطلاقا من معايشتهم للأحداث، لذا تتشظى الذات، خاصة وهي تدرك زيف الخطاب الذي تشكله، وتدرك أن الجمهور يعرف مسبقا هذا الزيف، ويحتقر صانعه والمتوارين خلفه.

تلتقط رواية (ساعة حرب ساعة حب) آراء الناس في القرية، التي عاشت ظروفا أمنية صعبة، وسبقتها معاناة اجتماعية، أدت إلى بناء وعي سياسي واجتماعي، تعبر به كل جماعة عن وطنيتها، تكشف القراءة على أنها جماعة واحدة رافضة لتغييب وعيها، وللظروف التي وضعت فيها، وهي هنا تكشف عن أنها الجماعة المقهورة، بينما يقف المخالفون للرأي، والمناهضون لما قام به (قيس) أفرادا يقدمون مواقف فردية، تتفاوت من مثقف مختلف فكريا، وانتهازي استفادة من ظرف قاس، لا يمكنه العيش خارج (التخلاط).

وفي مكان محدود كالقرية لا ينسى الناس (قيسا)، إذ يبني الرجل ويشكل الرأي العام، ويصبح موقف السكان وكأنه استفتاء حول شخصية (قيس) المعارض من جهة، والتلفزيون ممثل السلطة في الجهة المقابلة، وهو مؤشر على وجود انفصام تام بين الناس وبين التلفزيون، كما تظهره اللغة، لكن المضمر هو فصام بين الشعب والسلطة، فمن جهة تتموقع السلطة في مكان متعال، في المقابل هناك القرية وما تعانيه من مشكلات اجتماعية واقتصادية وأمنية، وتنمو تصريحات الناس رمزيا، لتجعل من الرواية صوتا هو صوتهم، صوت المقهورين، لكن ما الذي يمكن لهذا الصوت أن يفعله؟ وبمعنى آخر هل يمكن للرواية أن تغير واقع الإنسان؟ هل يمكن للريبورتاج أن يغير قناعة هؤلاء القرويين تجاه (قيس)، وتجاه التلفزيون ومن ثم السلطة؟

تسير الرواية في خطين متوازيين، التقرير في خط السلطة، وخط سرد الرواية للطريقة التي أنجز بها التقرير، والتي تعد صوتا إضافيا لصوت القرية. نقف على وظيفة الخيال/الرواية وعملية التخييل التي أنتجته، والتأسيس لصورتين متناقضتين؛ التقطت الرواية لغة اليومي ونسجت منها مشهدا مفارقا لنفسه، فبدل أن يكون واحدا متناغما بحكم أن أصحاب الكلام الأصلي ينتمون لجغرافيا واحدة، تجمعهم وحدة المصير، نقف على واحد يحافظ على منطلقاته، بينما ينزاح الآخر ليتموقع في صورة السلطوي المصلحي، ويعمل على تعميق مأساة الأول، وسيلته التلفزيون على مستوى الرواية.

سادسا- الرواية تتكلم:

جاءت بعض الشهادات لمتكلمين مجهولي الهوية تستعمل فيها الرواية (جزائري مجهول، مجهولة طالبة جامعية، طلبة كلية الفلسفة، مسلح تائب مقنع تكررت (خمس مرات)، شكلت هذه الشهادات بدورها رأيا عاما، منقسما بدوره تجاه شخصية (قيس)، وهذا الرأي يكشف عن قلق نتيجة وضع طارئ، والطريقة التي بها يتعامل الإعلام الممثل في التلفزيون، ومن ورائه المسؤول، الذي يرى في الحقيقة تهديدا لموقعه المتعالي، ويحضر الراوي عنصرا في هذا الكيان، يرى هو الآخر حريته مقيدة، ممنوع من التفكير، ومع أنه يروي عن (قيس) فهو في الوقت نفسه يروي عن الذات عن (أنا) <<هل يعقل أن يلبسني إنسان هو موضوعي؟...أرى أحلاما ديكورها مدينته...الأسماء التي تملؤها أسماء معارفه وأهله ورفقائه...أرى أحلاما يتحدثون فيها إليّ منادين إياي قيس بو عبد الله...>>(ص192)، وبذلك يصبح (هو) (أنا)، يتحدان في ذات واحدة، هي الذات الجزائرية التي تبحث عن الحقيقة ومخرج لوضعها الحالي، يؤطرها قلق وجودي.

ويتأكد ذلك في شهادة (قيس) المتمثلة في رسالة أرسلها إلى زوجته معنونة بـ"رسالة من عنابة 03/10/1990"، يختمها بقوله: <<ومع ذلك فأنا الآن ذاهب إلى قاعة المحاضرات لألقي شيئا حول مناهج النقد الأدبي الجديد...>>(ص196)، ونلمس فيه تدخلا من الراوي الذي هو الكاتب هنا، تدلل عليه وظيفته الماثلة في الملفوظات (ذاهب، قاعة المحاضرات، ألقي، مناهج النقد الأدبي الجديد)، وإن كان السرد يقدمه على أنه كلام (قيس)  لنكتشف أنه أستاذ جامعي، هو الكاتب نفسه يطل علينا عبر هذا المقطع، ويعري راويه لنعرف حقيقته،  إنه (قيس)، الذي هو الكاتب؛ كلاهما شاعر وناثر (الكتابة)، كما يبدو من حديثه عن الأدب والشعر والرواية، وإن كان المضمر في لغة السرد، ومن تحيل عليه علامات الوظيفة وموهبة الكتابة، هو شخصية حقيقية كان لها دور في أحداث التسعينيات، تشارك الكاتب (فيصل) هم الوظيفة والكتابة والوطن معا، وما (قيس) سوى معادلا موضوعيا اتخذه الكاتب كي يحكي عن قلقه الوجودي في ظل غياب الحقيقة عن واقعه.

وتصبح اللغة لغة الجميع على اختلاف مواقفهم، يختلفون في شخصية (قيس)، ويتفقون في موقفهم الرافض للتلفزيون، رمز السلطة، حيث يتجاوز الموقف الاختلافات الأيديولوجية والانتماءات السياسية، والفوارق الاجتماعية. ويحيل صوت سكان القرية والراوي معهم، وحتى (قيس) على موقف الجمهور تجاه سلطة الإعلام والمتحكمين فيها، وهو وعي سياسي أنتجه وضع متعدد المستويات خاصة الأمني منها والاجتماعي والاقتصادي، وبينما الجميع يعيش انسجاما بين قناعاته وبين ما يصرح به، يبدو الراوي مترددا بين ما يقتنع به، وبين ما يقوم بإنجازه بحكم وظيفته (مراسل).

تقدم الرواية نموذجا للغة عفوية، بليغة، بسيطة وأصيلة، تصدر عن الناس، مقارنة بلغة التلفزيون المتكلفة والمراوغة، يسخر منها المتلقي عامة، ويضع الراوي مسافة بين اللغتين؛ تكون لغة العامة منسجمة مع أصحابها الناطقين بها، وتكون لغة الإعلام مفارقة لذاتها، كما يعبر عن ذلك الراوي نفسه، تدفع إلى التساؤل عن لغة إعلام، تغلب عليه الرؤية الأحادية، على الأقل في الزمن الذي يؤطر أحداث الرواية، وهي لغة جاهزة، تخضع للقص والتعديل والتركيب، تعمل على إحداث شرخ في لغة الناس ومواقفهم، كي تسود هي وحدها، بلا لغة مخالفة، هدفها الهيمنة والسيطرة، وبذلك ينقطع التواصل بين فئات الناس في القرية، وما هم إلا رمز الشعب، فتصبح لغتهم الواحدة مجموعة من اللغات المتناقضة حد الصراع، ولا يكون الحل إلا في لغة التلفزيون، وهنا نعتبر الحقيقة لا تصدر إلا من الخطاب البسيط والتلقائي، حيث تتقدم الأخطاء نفسها ضمانا لصدق الخطاب.

وهكذا تكشف القراءة أن التلفزيون يتأسس جمهورية مفارقة  لجمهورية الناس، تختلفان جذريا، تحمل كراسات الراوي اعترافات وخطابات تؤكد المفارقة، حتى أن صوته ينسجم مع صوت التلفزيون، بل هو صورة له، باستثناء ما يسره لنفسه وللقارئ، كون القارئ خارج النص لا يستطيع الوشاية به، وإن حاول ذلك.

وبتصاعد صوت الناس في الرواية حاملا غضبا شديدا مخالفا لما يريد التلفزيون تقديمه -فقد تكلمت الشخصيات بلغة صدمت الراوي وجعلته يراجع لغته ومواقفه- لم تعد أصوات هؤلاء البسطاء في قرية تعاني من كل ناحية، قادرة على الصمت، لقد اتهموا التلفزيون بتشويه الحقيقة، واللعب باللغة ومحاولة إيهام الناس بما يبثه من تشويه للحقائق، يعبرون بصوت واحد ضد مكر التلفزيون ومن يقف خلفه، والإشكال الأكبر أن التلفزيون يدعي أنه يتكلم بصوتهم هم، الناطق باسم المقهورين على يد (قيس) وجماعته، وكأن الرواية تريد أن تجعل اللغة تسمو لتصبح اللغة المتداولة واقعيا، تصرخ عاليا لتعلن عن نفسها، لغة جماعة اجتماعية، حيث كلام التعبير وصيغه، تكشف عن تباين الصوتين، وعن اختلاف المواقع بين الشعب والتلفزيون، وهنا نكون أمام لغة اجتماعية لمجموعتين منفصلتين، تنموان لتصبحا طبقتين: طبقة مقهورة وطبقة قاهرة، وفق النظرية الماركسية، يعلو صوت الثانية لامتلاكه واحتكاره أدوات التوصيل، يعمل على تكريس الواقع باعتباره المستفيد، ويخفت الثاني لافتقاره لهذه الأدوات، أدوات تمكنه من تغيير واقع يراه مزيفا، حسب ما يذهب إليه (لوكاتش) وهو يتحدث عن الأدب والمجتمع في مفهومه لفكرة الانعكاس، ومع ذلك نلمس قوة هذا الصوت في الواقع، واقع الرواية، فهو وحده المتداول، ليكون علو الصوت الزائف مجرد وهم، وافتراض، لا يلامس الواقع الفعلي الذي تصوره الرواية.

بينما ينفصل صوت الراوي عن صوت التلفزيون في مستوى الحوار النفسي، نسمعه خافتا، يفسح المجال للتردد كي يسيطر على لغته، تجيء كلمات الناس مخيبة لأفق انتظاره، يستمع إليها بكل جوارحه، تتراكم أصوات الناس موثقة واقعا لم يشهده هو القادم من المدينة، ويبدأ موقف جديد في داخله يتشكل، ينمو ويصبح واضحا لا لبس فيه، ينتهي بدعم موقف الناس، وخلفه الكاتب مؤيدا ومساندا، وتكون الرواية نفسها بيان مساندة لقضية هؤلاء تجاه التلفزيون.

بعد ذلك يتقدم كلام الراوي معارضا للغة التلفزيون، يغلب عليه الأسى، يتحول إلى موضوع في سرد الناس، فبدل أن يسرد هو حكايتهم، تحول إلى حكاية يحكونها هم، ساخرين وآسفين في الآن، تصبح رؤيته للواقع مختلفة، يغير زاوية النظر التي منها يرى الوقائع، و شعوريا يدرك أنه ينتمي لهؤلاء البسطاء القابعين في أعلى الجبل، هو الذي أراد أن يسجل الشهادات بطريقته، ويصنع لغتهم، ينقلب على نفسه وعلى المؤسسة، تلح عليه الحاجة على وضع مسافة مع التلفزيون، لكن كيف؟ فهي مصدر رزقه، هل يمكنه أن يؤدي صوتين متناقضين في الوقت نفسه؟ هل يقوى على هذا الانشطار؟

لقد وجد الناس في مؤازرتهم لـ(قيس)، إنما يقدمون موقفا إنسانيا بعيدا عن التواطؤ الأيديولوجي، كما حال من يعارضون (قيسا)، وهم في ذلك يؤازرون أنفسهم؛ لأن صوت قيس هو صوتهم، وإن اختلفت اللغتين؛ لغة الكلمات ولغة الرصاص، لقد أرادت السلطة وسيطها التلفزيون الظاهر، وهدفها القهر المتخفي في الكلمات، يعبر عن نفسه بتمثيلات اجتماعية ونفسية، محفورة في وجوه الناس، قهر صوت هؤلاء المحتجين.

يصبح التلفزيون وسيلة سمحت لهؤلاء المقهورين بالتعبير عن غضبهم مع علمهم أن كلامهم سيتم تزييفه، ينكشف خطابا شعبيا على صفحات الرواية، يتخذ منحى ديمقراطيا بين مؤيد لـ(قيس) ومعارض له، وتبقى السلطة وحدها خصما مشتركا، تتنوع المواقف وتتوزع إلى خطابات مختلفة، تنطلق من موقع كل متكلم، بالإضافة إلى خطاب الراوي المتردد والمنتهي باليقين، الذي رسخته الرواية من خلال أقوال الناس.

ويعمل التلفزيون من أجل فرض صوته على الجمهور، بل حتى على الرواية نفسها، ويعمل الكتاب (فيصل) على كشف زيف هذا الصوت وبلاغة لغته المراوغة، من خلال راويه الذي يعترف أمام ضغط صوت الناس الراسخ في الحقيقة. هكذا يتكلم التلفزيون ضد كلام الناس/الشعب، وهكذا تقف الرواية في وجه هذه البلاغة المصطنعة، تدفعها الحقيقة الماثلة في كلام الناس، والمؤكدة بأحداث الواقع، ويجد الراوي نفسه محرجا في تبني صوت التلفزيون حيث ينتمي مهنيا، بينما تسحبه الحقيقة في كلام الناس نحوها، والأدق تعيده إليها، ترتسم مقابلة بين صوت الحقيقة وصوت الزيف، وينشأ صوت متمردا على صوت مؤسسة، قهرت صوت الحقيقة باغتيال (قيس) الرمز، الذي لم تمنحه مساحة للرأي، وعندما جاءت الفرصة رفع صوته، الذي هو صوت الحقيقة دون خوف، فلم يعد هناك ما يخسره بعد كل هذا الخراب.

سابعا- ختامها دعوة للتفكير:

يستمع الراوي لشهادات الناس مسجلا إياها في كراسته لمدة أربعة عشر يوما، يقدم كل شهادة وكأنها جلسة استماع في تحقيق، وهو بالفعل تحقيق ولكنه تلفزيوني، وكل شهادة إما أن تدافع عن (قيس) أو تهاجمه، وتبقى الشهادات الداعمة أكبر من المعارضة بكثير، مما يدفع الراوي إلى الانتصار للأولى، خاصة وهو مكلف بقلب الحقيقة كما يشتهي مسؤوله في العمل، حيث المونتاج وإعادة التركيب بعد الحذف والتنقيح. وهنا يترصد التلفزيون للحقيقة، ويعيش الراوي قلق الحقيقة، وقلق الوجود. ما السبيل لنقل الحقيقة كما هي، كما سمعها من الناس؟ الحقيقة التي يريدها التلفزيون منشطرة ومتشظية، يسجل الشهادات في كراسته عن (قيس)، ورغم أن الشهادات كلها ثابتة بين مؤيد ومعارض إلا أن الراوية تعيش مفارقة، فلا تطمئن إلى حقيقة بعينها، وتستمر في طرح الأسئلة (ما الحقيقة؟) وبها تنتهي. وبذلك تضع القارئ في مفترق الطرق محتارا في أيها يسلك، ساعيا خلف الحقيقة، وهو بنفسه يسأل ليس عن الحقيقة، بل هل هناك فعلا حقيقة؟ هو الواقع بوقعه الثقيل يدفع إلى التشكيك في كل شيء.

وكأن الرواية تقوض الأحكام المسبقة، والأفكار الجاهزة، تلك التي جاء بها الراوي المراسل إلى القرية. وتحفز العقل دوما على محاورة الواقع الفعلي ومساءلته، بدل اتخاذ وسيط، ليس دائما أمينا، ولو كان صادقا، وبذلك تصبح الحقيقة ليست هي هدف الكتابة، بل الدعوة إلى التفكير، ومعاينة الوقائع عن قرب، والتعامل مع المعطيات، ومنح مساحة للعقل كي يفكر، من أجل اتخاذ موقف، لأن التردد لا يصنع موقفا، ولا الوقوف وسط النهر، لأن النهاية ستكون الغرق، ولن تنفع النجدة مهما تصعد الصراخ طالبا النجدة. هكذا تفكر (ساعة حرب ساعة حب)، وهكذا تدعونا إلى التفكير، تلك هي ورطتي مع ساعة (فيصل)، وأردد مع الراوي: <<إلى أي حد يمكننا أن نزعم أننا نعرف الآخرين؟

إلى أية درجة يصدق من يعتقد أنه يعرف نفسه؟

لقد أشعل أرسطو شمعته تلك ولا نعرف حتى الآن إن كان وجد الحقيقة أم لا!...وأغلب الظن أنه لم يجدها...

نذهب إلى الحقيقة نفسها...إلى جوهرها...فنجد أنفسنا محتاجين إلى شموع أخرى كي تضيء الشمعة الأولى...

في كل مرة نرتاح إلى وجه يتضح أنه قناع ثم ننزع القناع فنجد قناعا آخر...وقناعا فقناعا تضيع السبل كلها...ولا نرغب آنذاك سوى في النوم كي نرتاح قليلا...

ولا راحة سوى في وهم اعتقادنا أننا نعرف ما نعرف ومن نعرف...ووهم اليقين متى نرى أنفسنا متيقنين من شيء ما...>>[1]، وهكذا يستمر السؤال، والسؤال باب المعرفة.

 

 

 

 

نها الجماعة المقهورةأ

 



[1] - ساعة حرب ساعة حب ص205

مقدمة:

ساعة حرب ساعة حب رواية للكاتب (فيصل لحمر)، ولدت لمساءلة المكان والإنسان والزمان عن الحقيقة، تحفر في الذاكرة، وفي الوعي الشعبي والنخبوي، علها تمسك بالحقيقة، حقيقة الحدث التاريخي، ليس لتختبره، بل لتعرف مسبباته، كي تستوضح وضع الإنسان الوجودي، والإنساني، رواية تسافر في الجغرافيا، وتستقر في رقعة صغيرة، تسند إليها صفات تجعل منها بلدا هو الجزائر، تمارس التحقيق الصحفي وسيلة للبحث والتقصي عله يسعفها بالحقيقة، وهناك في أعلى الجبل تكتشف الذات ذاتها، يذهب البطل بحثا عن حقيقة شخص، ليجد نفسه في مواجهة مع نفسه، حينها يكتشف الحقيقة التي هي حقيقته، وحقيقة بلد بكامله.

وها أنا ذا بدوري تورطني الرواية من أول كلمة، فأسافر كما قال (درويش) عبر الكلمات، باحثا أيضا عن الحقيقة، حقيقة الكتابة، تلك التي اقترفتها الرواية، وأكيد الكاتب (فيصل)، الذي يقف خلف ستارها يترقب، وذلك بعد أن جهزت كل أدواتي التي أستعين بها في مثل هذه الرحلات، وهي تشبه كثيرا تلك التي استعملها في رعاية نبتاتي، وقد اكتشفت أني أقف أمام المرآة، لا أدري كيف جعلتني الرواية أواجهني، ومثل البطل أكون وجها لوجه مع ذاتي، ولا تطول الدهشة، لأكتشف أني أنا القارئ، والراوي، و(قيس) البطل الذي لم نقابله لا أنا ولا الراوي وربما الكاتب أيضا، فقط نسمع عنه في كلام الشهود، ولا حتى الكاتب، إنما نمثل الذات الجزائرية التي تعاني القلق الوجودي بفعل صدمة الحدث، ثم تاريخ الحدث، والواقع.

اكتشفت بعد ورطتي أن الرواية تفكر، وتدفعنا للتفكير، في وضعنا الوجودي، ومن ثم مصيرنا في هذه الجغرافيا التي تسمى الجزائر.

لن أطيل في هذه المقدمة، وسأحكي لكم قصة ورطتي مع رواية (ساعة حرب ساعة حب)، ومع الراوي كانت البداية.


 

أولا- العودة إلى نقطة البداية:

من البداية نعرف أن البناء العام للرواية (في شكل اعترافات)، تحقيق، فهي عبارة عن كراسة لمحقق تلفزيوني هو الراوي، يسجل فيها تقريره يوميا، حتى وصلت الأيام إلى أربعة عشر يوما، حيث يمثل كل يوم فصلا، لتتكون من أربعة عشر فصلا، ويكون رقم اليوم هو عنوان الفصل إلى جانب كراسة المحقق.

يبدأ الخطاب بأسئلة قلقة، عن معرفة الآخر، عن معرفة الذات، عن معرفة الحقيقة، وهي أسئلة وجودية يفتتح بها الراوي مسار التحقيق، والتحقيق نفسه وسيلة للبحث عن الحقيقة، حقيقة الآخر، حقيقة الذات، والحقيقة بالمطلق <<إلى أي حد يمكننا أن نزعم أننا نعرف الآخرين؟ إلى أية درجة يصدق من يعتقد أنه يعرف نفسه؟ ويبقى السؤال العالق الذي يؤسس للوجود ويفسره ويؤوله هو ما هي الحقيقة؟ فلقد أشعل الفيلسوف قديما شمعة في وضح النهار باحثا عن الحقيقة>>(فيصل لحمر: ساعة حرب ساعة حب، دار الألمعية للنشر والتوزيع، الجزائر ط2/20013 ص7)، ولم يخبر الرواة ما إذا كان قد وجدها. سؤال يحير الراوي، ولعل كراسته تتضمن بعض شذرات الإجابة، حيث ندرك في مستوى التأويل أن الإنسان، وليس الفيلسوف وحده أشعل نفسه وأشعل الآخرين، وأشعل الوطن، وأشعل الأحداث؛ عناصر تختلف تماما عن تلك التي توسلتها الرواية في بداية مشواره نحو البحث عن حقيقة (قيس) مثل (الحاسوب، أجهزة الإحصاء، أنوار الغرف -وهي رمز دهاليز المعرفة عبر التاريخ-، السيارة وقس عليها كل الوسائل الأخرى -في رحلة للبحث-) ورغم تطور التكنولوجيا من الشمعة إلى الحاسوب، تنتهي إلى <<إطفاء الشموع والمشعلات كلها ولا ترغب في شيء سوى النوم>>(ص8)، وينغلق السرد في بدايته على النهاية التي تأتي مؤكدة هذا الانغلاق والفجوة التي أحدثها غياب الحقيقة، وعجز الإنسان الجزائري بالخصوص الإمساك بها في لحظة حرجة ومؤلمة وعنيفة، وينتهي التحقيق، وتنتهي الرواية بالأسئلة نفسها التي بدأت بها، <<وتبقى الأسئلة نفسها مطروحة>>(ص204).

وهنا نكون أمام سرد دائري، ينساب ليعود من حيث بدأ، تتخلله فجوات بفعل التقسيم وفق أيام في كراسة تسجل الاعترافات التي بدورها متقطعة، وتختلف باختلاف الأشخاص المعترفين وصلت حد التناقض، والسرد بهذا البناء يعبر فنيا عن القلق الوجودي الذي تعيشه الذات الكاتبة، والذات الراوية، والذات الجزائرية عامة، حيث نلمس توافقا بين البناء العام للرواية، وما تعبر عنه من قلق أحدثته الرغبة الجامحة في معرفة الحقيقة، حقيقة الذات وحقيقة الآخر وحقيقة الوطن.

ثانيا- لقلق الوجودي، ورحلة البحث عن الحقيقة: الراوي محقق تلفزيوني يحقق في شخصية (قيس بوعبد الله) الذي التحق بالعمل المسلح، ثم تاب. يسير وهو يبحث عن حقيقة في خطين متوازيين، حقيقة يريدها التلفزيون على هوى المسؤولين، وحقيقة يريدها الراوي، تدفعه لهفة السؤال، والرغبة في المعرفة، فمعرفة حقيقة (قيس/الآخر) هي معرفة للذات، ولما حدث. وهو في ذلك يروي بضمير المتكلم والشاهد على الأحداث، لا يؤثر في مجرياتها، لكنه دوما يوحي في مستوى إعداد التقرير كي يُعرض على المتلقي، بأنه سيحذف وسيركب ويغير<<هآنذا أقطع وأركب...أختار ما يناسب وأترك غير المناسب...كان الأمر قديما يمتعني كثيرا لأنني كنت أرى نفسي إلها بطريقة خاصة أما الآن فلم أعد أتمتع على الإطلاق...إنه عمل أبناء الحرام...أنا لم أكن هكذا...هآنذا أحذف التعابير التي تعلي من  شأن هذا الرجل...سأحذف كل ما قيل...كلهم يحبونه...والذين يقولون في حقه أشياء سيئة أو باردة يبدون هم أنفسهم حقيرون... بالله...ما أضعفني!...ما هذا الخصاء كله؟!...>>(ص201-202)، وهنا قصة قيس تروى مرتين؛ مرة كما يحكيها أصحابها وتنقلها الرواية، ومرة في مستوى خيال القارئ، حيث يتوقعها ويبنيها، معتمدا تصريح الراوي بأنه سيعطيها صورة حسب أوامر المسؤولين أثناء عملية التركيب –لأنه حسب ما يبوح به يرفض تشويه الحقيقة، ويراه عملا حقيرا: <<ها إنني أصل إلى هذه المدينة... الشاحنة والأجهزة معي... شاحنة غير مبالية وأجهزة صماء صامتة لا تعلم شيئا عن قلقي المستمر وأنا أحقق لفائدة تلفزيون يحكمه منطق أعمى غير مبال بالحقيقة التي قضيت سنواتي الأولى كلها مقدسا لها دارسا في المعهد والجامعة ومرتميا بين أحضان الكتب بحثا عنها...والآن وقد تخرجت بدبلوم أعمى لا مبال أجدني أمزق جسد الحقيقة ككل يوم عدة مرات لفائدة الإله الأعلى اللامبالي المتحكم في رزقي...مدير التلفزيون الذي يخضع لآلهة أخرى أكثر سلطة...وكلها في الخدمة...كلهم مستعدون لجمع وثائق حول الأشخاص...الكذب...تحويل الحقائق...التلاعب...ثم يأتي السحرة الكبار (تقنيو المونتاج) يلقون عصيهم فإذا بها حيات تسعى تلسع كل العيون التي ترفض التفرج على غير الحقيقة>>(ص11).

 وفي مستوى آخر تسأل القراءة: ألم تمارس الرواية نفسها الحذف والتركيب على القصة الأصلية؟ أليست الرواية هي التقرير في صورته النهائية نفسها؟

وهنا السؤال: هل ما قرأناه هو القصة الأصلية قدمها الراوي وخلفه الكاتب كما هي، أم هو صورة ثانية للقصة الأصلية؟ هل ما نعيشه هو الأصل؟ أم ما نتخيله؟

سؤال يدفعنا الراوي إلى طرحه بالطريقة التي يبني بها الكاتب نصه، وربما هو السؤال نفسه الذي حير الكاتب ثم الراوي، وتورط فيه القارئ مثلي أنا تماما.

حيرة البحث عن الحقيقة جعلت الراوي يعيش قلقا وجوديا تسببت فيه مهنته كصحفي، فقد تعلم خلال سنوات تكوينه أن مهمة الصحفي هي نقل الحقيقة، لكنه يكتشف ميدانيا أن الحقيقة يصنعها الأقوياء <<كل سنوات تكويني...تعب أبي...الجزائر كلها تشحد سيوفها من أجل أن أتعلم وأصير إلى ما صرت عليه...أموال...آمال...ساعات انتظار برامج تكوينية... كلها لا هاجس لها سوى جعلي أنجح وأصير إلها صغيرا من آلهة الكتابة والإخراج...ساحرا يصنع الصورة للجزائر...وها أنني أخون كل ما مضى ولا هدف لي سوى تسويد صفحة رجل لا أعرفه!!>>(ص11)، تحضر عبارة (وها أنني أخون كل ما مضى) لتنفي زمنا كاملا، هو عمر، بل جيل، وجهد وطن تلخص كل ذلك كلمات الراوي (كل سنوات تكويني)، والهدف (تسويد صفحة رجل لا أعرفه)، ومن ثم يسائل الراوي نفسه وجيل السلف الممثل في (الأب)، رغم أنه وظف فعل الخيانة بصيغة (المتكلم) غير أن سياق الرواية، يبين أن الخيانة كانت عبءا، وفرضا على الراوي، لتصبح عملا مشتركا يتورط فيه جيل الأباء وجيل الأبناء، ورطة تمثلت في (تسويد صفحة رجل) لا يعرفه الراوي.

هذا الأب هو الذي دمر حياة أبطال (بوجدرة)، وأرهق أبطال (الطاهر وطار)، ولم يشف من ساديته، فيستبد ولو لاشعوريا في (كراف الخطايا) لـ(عيسى عبد الله لحيلح)، ثم يتسرب لكتاب الجيل الموالي، ويفاجئنا هنا في هذا النص، إنه لا يريد التخلي عن سلطة استبد بها عقودا، يحضر عنوة في النصوص، ويفرض إرادته على فعل الكتابة، ونندهش سائلين: هل هو الكاتب الفعلي لهذه النصوص؟ يبني المتخيل السردي ويشكله، عابثا به وبأبطاله، فارضا إرادته على الكاتب؟ هذا الأب (الهو) هل سلب بمفهوم التحليل النفسي قدرة الأبطال على صناعة حاضرهم، هل مارس عليهم فعل الخصي وتركهم يعيشون في جلبابه جيلا بعد جيل من أبطال الروايات؟ وهل سنشهد تمردا للأبطال في نصوص هذا الجيل المتأخر من الكتاب الشباب، كما فعل (منصور) في (كراف الخطايا)؟ أم أن الأب سيبقى في متخيل الكتابة، ما دام هو صانع الواقع الفعلي الذي يعيشه الكاتب، الواقع الذي يشكل بدوره مادة الخطاب الروائي، منه يستقي وقائع رواياته، ولا يجد مناصا من هذا الأب المعتوه المتسلط- الوصي على جيل الأبناء وعلى الوطن، يسائلهم، ويتهمهم في الوقت نفسه.

 وبما أن قيسا يرتقي لمستوى الرمز بتعاطف الجميع معه باستثناء السلطة، وبعض المثقفين الأغنياء، فهو هنا يمثل غالبية الشعب، ليصبح التسويد تسويدا للشعب وللوطن، فتكون الخيانة مزدوجة؛ خيانة للمهنة، ولتعب السنين، وخيانة للوطن، وبما أن الجميع متورط، تكون الخيانة خيانة للذات التي عبر عنها الراوي، من خلال الصراع النفسي الذي يعيشه ويشعر به، وهنا يتأسس القلق الوجودي، ويأتي السؤال عن مغزى الوجود، وجود الذات، ما الذي تفعله بمصيرها؟ وهل فعلا تتحكم في هذا المصير؟ ما جدوى ما تقوم به إن كان ضد الحقيقة؟ هل تكفي الشهرة في المهنة كي تشعر الذات بوجودها (أنا مشهور أنا موجود)؟ هل النجاح في المهنة تحقيق للوجود، ولو كان على حساب الحقيقة؟ وتطول سلسلة الأسئلة الوجودية التي تسببت في قلق حاد عاشه الراوي، ويعيشه بسبب مهنة صدم بواقعها الفعلي وحقيقتها في الميدان.

يتجاوز قلق الذات الذي تسببت فيه مشكلة الحقيقة ليشمل الزمن، الذي يصبح موضوعه الأساس: <<لا أحد يقوى على تجاوز أيامه المقبلة التي يرتاح إلى كونها سوف تشابه أيامه السابقة...الأمل الوحيد في المستقبل هو استعادة الماضي الذي يبدو مسالما حينما يمضي وينتهي أمره...الماضي الذي يكون غامضا تماما قبل مجيئه ثم يتحول إلى جحيم من القلق والواجبات والضغط والآلام أو الفراغ...من الملل والضجر من الأماني...جحيم حاضر جدا جدا...جحيم غير قابل للاختزال...ثم يمر ويتحول إلى ماض...ماض جميل نتحسر عليه ولا نعلم لماذا نحن إليه...نحلم به جميلا بهيا..>>(ص9-10).

بالرغم من وعي الذات/الراوي بالزمن إلا أنها لا تستطيع تحديد علاقتها به، وعي يعبر عنه النفي في عبارة (لا أحد يقوى)، نفي نابع عن يقين، وعبارة (الأمل الوحيد...هو...)، وعبارة (الماضي الذي يكون...)، وعبارة (جحيم حاضر جدا...يمر ويتحول...ماض جميل...)، مبنية على يقين، بأسلوب توكيد من حيث الدلالة، وإن كان في أغلبه خبريا من منظور بلاغي.

ورغم صدور وعي الراوي بالزمن عن رؤية عميقة تكشف عنها اللغة، إلا أن القلق يربك هذا اليقين، ويحول الوعي إلى ألم نلمسه في الملفوظات (لا أحد يقوى على تجاوز أيامه المقبلة التي يرتاح إلى كونها سوف تشابه أيامه السابقة)، النفي هنا يستغرق الجميع (لا أحد)، يقين يعمق اليأس من قدرة الناس على تغيير الزمن الحاضر، ولا القادم (المستقبل)، وهو ما يجعل الذات قلقة تجاه الزمن، كونه متشابه ماضيه كحاضره ومستقبله، بحيث يستحيل تجاوزه، ولو كان الأمر يخص ذات الراوي وحده لهان الأمر، وفتت حدة التوتر والقلق، أما أنه يشمل الجميع، فذلك تهديد لوجود المجتمع كاملا، فلا مستقبل يمكن ربط الأمل به، ويبقى (الأمل الوحيد في المستقبل هو استعادة الماضي)، عبارة تؤكد وعي الراوي بالزمن، وهو ما يزيد في ألمه، يدفع عنف الحاضر المعاش، الناس ليس إلى بناء مستقبل أفضل، بل الحلم باستعادة الماضي، يصرح الراوي ضمنيا: أن الأحداث جعلت وتيرة الزمن تسير بالناس إلى الخلف، بحثا عن الماضي، لكنه ماض (يتحول إلى جحيم من القلق والواجبات والضغط والآلام أو الفراغ...من الملل والضجر من الأماني)...يصنعه (جحيم حاضر جدا جدا... غير قابل للاختزال)، ليبقى الماضي (جميل نتحسر عليه ولا نعلم لماذا نحن إليه...نحلم به جميلا بهيا)، ودون أن يبوح الراوي نقرأ في لغته السؤال: هل كتب علينا العيش نحلم بالماضي، بدل المستقبل؟ لا تجد الذات سببا لهذا الانحدار الذي يحكم مسار الزمن إلى الوراء، ويجر معه الذات التي تعاني القلق من زمن تعجز عن التحكم به، وتسقط أسيرة الماضي، يدفعها إليه الحاضر قصرا، ويحجب عنها المستقبل.

ويعاني الراوي قلقا آخر نابعا عن مهنته، صحفي في التلفزيون العمومي، ولا يخص الأمر صعوبة المهنة، بل يخص صورة التلفزيون في وعي الناس، إذ تشكلت لديهم صورة سلبية عنه، ومن ثم عمن يشتغلون فيه، ذلك أنهم يعتقدون جازمين كما علمتهم التجربة، أن هذه المؤسسة مهمتها تزييف الحقيقة، وتزييف الواقع الذي يعيشونه، وأن الصحفيين ينقلون عكس ما يحدث، وهنا وجد الراوي مراسل التلفزيون نفسه في مواجهة مع مهنته، هذه المواجهة صنعها رفض الناس له <<المهمة أعسر مما كنت أعتقد. الناس مسكونون بكرهي دون أن يعرفوني...ورثوا كرها غامضا تجاه كل ما أمثله مثلما ورثت أنا تمثيل هذا الجانب دون وضوح.>>(ص27)، مواجهة الناس له بموقفهم جعلته يشعر بكرههم له، تدلل عليه عبارة (مسكونون بكرهي)، مع إدراكه أسباب ذلك، فهو ممثل لتلفزيون يشوه الحقائق، تلفزيون يمثل السلطة المتسببة في تعاسة الناس، ورفض هذا الجهاز من خلال صحفيين، نقل هذه التعاسة كما هي في الواقع، الأمر الذي جعل مهمته صعبة، فكيف سينجز تقريره، بين ناس يطالبون بنقل الحقيقة، ومسؤولين يطلبون حقيقة يصنعونها هم. وهنا تعيش الذات/الراوي قلقا تجاه مهنتها.

ولا يبرئ الراوي نفسه، بل يدرك من تعامل القرويين معه ممثلا للتلفزيون، أنه هو الكاميرا، هو التلفزيون نفسه في عيون الناس، هؤلاء الذين وقف على معاناتهم، وعاينها بنفسه، <<شعرت بالكره وأنا أعاين ما سجلناه اليوم... إنهم يتكلمون –حينما يوافقون على الكلام أصلا- وينظرون صوب الكاميرا والكاميرا هي الشاشة والشاشة هي المتفرج.. هي أنا ومحمد المصور..هي أنا الآن...هي أنا فقط..مساكين في هذه المناطق النائية...الخراء كله عليهم يدفعون ثمن جريمة لا يعلم أحد من ارتكبها...>>(ص27-28).

 أن تنقل عكس ما يحدث، ومن ثم تقف على الضفة المقابلة لقناعاتك، ولشرف المهنة، يجعلك متماه تماما مع أداة التشويه (أنا الآن...هي أنا فقط) بل تصبح أنت وسيلة التشويه أنت الكاميرا التي تختار ما تنقل، وتمارس فعل التركيب (تداخل ذات الراوي مع الآلة/الكاميرا)، (تعاطف الراوي مع القرويين). هو يدرك حقيقة المأساة، يراها، يسمعها، لكن عمله في التلفزيون حوله إلى آلة وظيفتها التشويه، تشويه الحقيقة، يعيش قلقا وفصاما، ووعيا بالمسؤولية تجاه الحقيقة، هي الذات/الإنسان، المدرك لوضعها ولوضع الآخر، والذات الصحفي، الآلة التي تعمل وفق ما تبرمج له، يعيش صراعا بين إنسانيته وتشيئه، (الإنسان/الشيء)، <<مهنتي ترغمني على الانمحاء... يجب أن لا أدخل في تنظيم هذه اللغة التقنية...أحيانا أجد نفسي أعبر بوجهي تلقائيا عن شعوري بالشفقة تجاه هؤلاء المساكين وهو أمر قد يدفع بعضهم إلى المبالغة... وهذا يسمى النقص في الفاعلية والإخلال بشروط العمل>>(61). لكن شروط العمل، ليست تلك التي تعلمها نظريا، والآن يراها ميدانيا يوتوبيا، مجرد حلم، اغتالته السلطة التي وضعت شروطها الخاصة لهذه المهنة، مهنة الصحافة، نزاع في الرؤية والموقف، ومن الطبيعي أن يكون الموقف وليد الرؤية، لكن الراوي يعيش خللا، أنتج هوة بين الرؤية التي شكلها عن مهنة الصحافة ورسالتها في نقل الحقيقة والكشف عنها، وبين الموقف المحكوم بشروط تلفزيون السلطة.

وهي قضية تقود إلى موضوع حرية الصحافة، في الأنظمة الاستبدادية، التي توظف وسائل الإعلام لترسيخ حكمها، والمحافظة على استمراريته، ومن ثم تقديم مفهوم أحادي للحقيقة، التي لا تكون إلا كما يرون ويقولون، وليس كما هي في الواقع، هنا نقف على مشكلة أخرى، وهي رؤية الآخر الواقع تحت رحمة الاستبداد، أولا الراوي من جهة وهو يعاني أكثر نفسيا، لأنه يشعر بالانتماء إلى هؤلاء الناس، فقد جاء منهم إلى مهنة الصحافة، هو ابن هذا الشعب، ومن جهة هو ابن هذا النظام، الذي اتخذه وسيلة لترويج حقيقة وفق رؤيته الأحادية، ومن جهة هناك القريون الذين يعانون، لكنهم لا يعيشون صراع الراوي، كونهم يعرفون الحقيقة، ويعرفون صورة الحقيقة التي شكلها الاستبداد عبر وسائله، وليسوا مضطرين لسماعها، هم يعيشونها، هم ضحيتها.

ثالثا- سؤال الهوية، هوية الذات/الراوي: يأتي الراوي لإنجاز تقرير، فيجد نفسه في رحلة للبحث عن الذات، يقوده ما عاشه من قلق تجاه الحقيقة، وانشطار الذات، إلى طرح السؤال: (من أنا)، لكنه سؤال، يسأله من خلال الناس، يتخذهم معادلا موضوعيا، كي يسأل: <<أسمع أعينهم وجوارحهم جميعا...وأسمع صمتهم أيضا:

من تكون؟...

من أنت؟...

كيف تنظر إلى نفسك؟

ما أنت؟...

...مجبر على احترام تتالي الأسئلة...على الحرص على السير الحسن للتسجيل>>(ص61)، نلمس في ذلك صعوبة السؤال، صعوبة تعانيها الذات، فهي لا تستطيع أن تسأل مثل هذا السؤال في مستوى الوعي، لأنها تدرك المتاهة التي يفتحها، عبر سؤال معاكس (هل فعلا لا تعرف الذات ذاتها؟ هل الراوي يجهل من يكون؟ لا يعرف من هو؟)، لذلك يفضل الصمت (وأنا مجبر على صمتي وبرودة أعصابي)، لكنه صمت شكلي، تفضحه الأجوبة المتتالية، التي تريد الذات من خلالها تحديد هويتها، <<إنني حشرة حقيقية...لم أكن أدري أنني آيل إلى هذا المصير وإلا لكنت اخترت عملا آخر أقرب إلى الواقع...أقل مالا وأقل شهرة وأقل شرا!!!...>>(ص62)، يأتي الوصف (حشرة) ليلغي صفة الإنسانية عن الراوي، فمن صفات الإنسان أن يشعر بالآخرين، ويعيش آلامهم، وينقلها بصدق في مثل مهنته، وعندما يعجز عن نقل الحقيقة، والسكوت عن تشويهها، بل المشاركة في فعل التشويه، لا يكفي الشعور وحده، لأن مثل هذا العمل يصبح منفصلا عن الواقع، وبالتالي عن الناس، ويصبح الشعور كذبة تعيشها الذات، وتتحول أداة للشر؛ تدمر الحقيقة، وبتدميرها هذا تدمر الإنسان، الإنسان الذي هي عليه، فتتحول إلى حشرة.

يحرره ذلك الشعور اتجاه نفسه، ويمتلك الشجاعة ليسأل هذه المرة مباشرة: <<من أكون؟ من أنا؟ كيف أنظر إلى نفسي؟ ما أنا؟>>(ص62). هنا ينظر إلى نفسه في عيون الناس، في مستوى أول، ثم ينظر إلى نفسه في مرآة ذاته، <<أعلم أن هذا الكلام يجعلك تبتسم في دخيلتك واصفا إياي بالريفي الجاهل الأحمق المهووس بالحرب العالمية الثالثة... إلا أنني أذكى منك وأوسع ثقافة ممن علموك...وأنت هو الأعمى>>(ص69)، تأتي عبارة (أنت هو الأعمى) مستحضرة فكرة أن الراوي المراسل الصحفي وظيفته تبصير الناس بالحقيقة، حقيقتهم، وحقيقة ما يحدث، تستحضرها لتفندها، متهمة المراسل/الراوي بالعماء، وكل ما يمثله، هذه الوسيلة تمارس العماء، فلا تبصر واقع الناس، وكان عليها أن تعرف بهذا الواقع كما هو، وبما أن الراوي يمثلها فكان هو من يتلقى موقف الناس من المؤسسة، وهو موقف من النظام عامة، في المقابل يعي الريفي موقف السلطة منه، والتي دوما يراها في التلفزيون الناطق باسمها، موقف استعلائي (الريفي الجاهل الأحمق المهوس بالحرب العالمية الثالثة)، هي رؤية أعمق مما تظهرها اللغة  على سطحها يحفر في أسباب العنف في البلاد، ويرى في الريفي أهم سبب في اندلاعه، تدفعه حماقته وجهله، دون حساب للعواقب، ولأن السلطة عمياء فهي ترى بعين واحدة، أو لا ترى، حقيقة ما يجري، أو ترى كما أخبر الراوي بكاميرا التلفزيون، لكنها تتعمد التعمية على الحقيقة، ولا تريد الاعتراف بالأسباب الحقيقية لاندلاع العنف، كما لا تريد أن ترى معاناة هذا الريفي وكل سكان القرية في أعالي هذا الجبل، المنسية هنا والمتروكة للجوع والعنف، هنا يكون الراوي الواجهة التي تتلقى موقف الناس، هو الخط الأول للسلطة.

يدفع موقف القرويين من الراوي/المراسل إلى مراجعة كل مسيرته، ليستيقظ في داخله الشعور بالانتماء إلى هؤلاء، تنتابه عاطفة الإحساس بـ(قيس)، إلى درجة التوحد معه، <<بدأ الرجل يسكنني...أحدق في صوره فأراه يتكلم...أراه يقول ما أسمع الناس على الفيلم يقولونه بلسانه...أصبحت أدرك، آراءه>>(ص79). و<<أعرف أنني مجنون بعض الشيء وأنا أتمنى لو عشت حياته...>>(ص79)، هكذا يقود البحث الراوي إلى حقيقة الرجل وحقيقة ما جرى ويجري، وحقيقة سكان القرية، بل يكتشف حقيقته هو، فيسكنه (قيس)، وما قيس سوى الحقيقة، لقد سكنته الحقيقة، فأدرك وضعه ووضع الواقع. وهنا يقوى عنده الشعور بالانتماء، (أتمنى لو عشت حياته)، يمارس الراوي نوعا من التطهير، حتى يحقق التوازن بين ما يؤمن به، وما يقوم به في الواقع، تماما مثل هؤلاء البسطاء في الجبل حيث القرية، التي ترمز بوضعها الاجتماعي والجغرافي للطهر، والتوازن، وقد تكثف ذلك في شخصية (قيس)، هكذا تكتشف الذات ذاتها، حقيقتها <<لست هكذا...أو لم أكن هكذا...يجب أن أنتبه أكثر إلى ما يحدث لي...>>(80) ، تعلن عبارة الراوي (يجب أن أنتبه أكثر إلى ما يحدث لي....) عن بداية مرحلة المراجعة، وراجعة مسيرة كاملة، للبحث عن الذات المفقودة في زحمة واقع مزيف صنعته الوظيفة.

وبعبارة <<كم هو طيب هذا الرجل...>>(ً113) ، يفتح الراوي عينيه على حقيقة (قيس)، التي هي حقيقة واقع القرية، وهي حقيقة ما جرى، ويجري، تسند صفة (طيب) إلى رجل صعد الجبل وحمل السلاح، ثم تراجع وتاب، لاكتشافه أن العمل المسلح لا يجدي في القضاء على الفساد وتغيير الواقع، واقع القرية التي هي الجزائر، (كم هو طيب) شهادة من الراوي على براءة (قيس)، نتيجة يصل إليها بعد تحقيق طويل دام أربعة عشر يوما، هي مدة قصة الرواية، علمته معايشته لأهل القرية أن الحقيقة لا تأخذ من التلفزيون الذي يشوهها، إنما من الواقع المعيش، كما مكنته من اكتشاف حقيقة الناس في القرية، وهم أنفسهم ممثلوا الشعب البائس الذي راح ضحية فساد سياسي، دفع (قيس) إلى حمل السلاح، ثم تراجعه عن ذلك معلنا فشل العنف كحل للمسائل السياسية، ورفضا منه له كوسيلة للتغيير، لذلك هو (طيب) فرغم اغتصاب حقه في الحياة الكريمة، يرفض أي وسيلة تدمر القرية ومن ثم الوطن، فهو عكس المسؤول الذي لا يبالي بمصير الوطن، إنه يهتم لذا تاب وتخلى عن السلاح، لأنه (طيب)، تحمل اللغة (قيس) إلى مستوى الرمز، وتجعل منه علامة تدل على الشعب برمته.

والراوي بذلك ومن خلفه الكاتب يقدم رؤية ترفض العمل المسلح وسيلة للتغيير، وتراه فعلا مدمرا، تدميرا ذاتيا، مع إدراكه لغبن الشعب، وسلبه حياته في هذه القرية البائسة، التي هي في مستوى آخر من اللغة الجزائر، يقف الراوي والكاتب إلى جانب الشعب ضد الاستبداد، ويرى من خلال (قيس) أن الحل لا يكمن في الفعل العنيف، مهما كان الضرر الذي ألحقه المسؤول بالشعب.

تأتي الرواية لتخبر عن إمكانياته الفنية والفكرية في التغيير من خلال تقديم أولا موقفا تجاه الأحداث، والخيارات المطروحة، ثم البدائل المتاحة للتغيير، وأولا الكتابة، وإن كانت الكتابة تعاني هي الأخرى، وإلى جانب الكتابة/الإعلام، الذي توجه له نقدا قويا، وتفككه من الداخل، وتكشف تحيزه للمسؤولين المتسببين الرئيسيين فيما وصل إليه الوضع، الإعلام الذي كان يمكن أن يكون وسيلة تغيير، لكنه اختار أن يكون وسيلة لتزييف الواقع، وتحويل الضحية إلى جان، يقدم الكاتب رؤية واعية بالواقع، تأتي روايته لتسجل موقفا، ثم تكشف زيفا، ثم تقدم بديلا هو هنا الكتابة.

وإذا كانت الروايات التي كتبت لحظة الأزمة في التسعينيات، أي كانت متزامنة مع العنف مصدومة، لم تسعفها اللحظة لتقديم رؤية أعمق، غير مرتبكة، فإن (ساعة حرب ساعة حب) استفادة من المسافة الزمنية التي بينها وبين أحداث التسعينيات، واستثمرت ذلك بوعي في تقديم رؤية أكثر تماسكا، ولعل أسلوب التحقيق يعبر عن ذلك، ولتكون نوعا من التفكير، التفكير بالكتابة.

رابعا- التنين يحترق بالحقيقة، وتلك مفارقة:

يبدو اسم التنين غريبا في مثل هذا الموضع، ومع ذلك يحضر التلفزيون كما تقدمه اللغة في مستوى التأويل تنينا، تجعله القرينتان الظاهرتان في ممارساته (الحرق، والخرافة) كذلك، يمارس الحرق، يحرق الحقيقة، وبدل الحقيقة يقدم الدعاية للخرافة، التي تغتال العقل في جمهور المتلقين، كيف ذلك؟

تعالوا معي لنلاحظ كيف يكتشف الراوي أن الوضع يختلف في القرية/الدوار عما عهده في العاصمة المدينة الكبيرة، ومن ثم النظرة إلى التلفزيون، وبالتحديد تغطيته لأحداث العنف، <<ما أعجب له كثيرا هو الصورة الواضحة التي يملكونها عن التلفزيون...صورة نقية لا تشوبها شائبة...كأنهم لم يفعلوا طوال حياتهم سوى التنقيب عن خبايا التلفزيون واشتغال المؤسسة وكواليسها وفضائحها>>(ص135)، ولد هذا الموقف مع أزمة الوطن، التي كانت نتيجة  محاولة تغيير وضع  مزمن بالنسبة لهؤلاء، ولجمهور الناس جميعا، خاصة المنفيين هنا في مداشرهم، وهم يختلفون عن الجمهور في المدن، الناس هنا في تماس مباشر مع الأحداث، مع الواقع الذي يحقق فيه مراسل التلفزيون هم يعيشونه، ولا يتلقونه من التلفزة، التي تحرق الحقيقة، وتؤسس للخرافة، بدل دفع العقل إلى التفكير، ولعل الرواية جاءت كي تقوم بهذه الوظيفة، وظيفة التفكير، والتفكير فيما جرى، وتجاوز الرأي العام الذي يصنعه الإعلام، أو ما يمكن تسميته جمهور التلفزيون، حيث <<تظل الحقيقة في مهب الريح...ساعة تهدأ وساعة تهتز...أحيانا تطير وأحيانا تنام...وهكذا...>>(ص205).

 والحقيقة المنشودة في الرواية، هي حقيقة الحدث، الذي تمثله شخصية (قيس)، لكن التلفزيون ينشد أمرا مخالفا، وباعتراف الراوي ممثله الرسمي، يأتي إلى القرية مراسلا، فينقلب على مؤسسته، كان هدفه الذي يعرفه القرويون تحريف الحدث، بتشويه شخصية (قيس)، وبذلك حرق الحقيقة، وتغييب العقل ليسلم بكل ما يراه بلا تفكير، غير أن معايشته واقع القرية جعلته إلى جانب المتلقي يسير في خط مواز لخط التلفزيون، فقد تحول  هذا الجهاز التواصلي وسيلة خطيرة في صناعة الوهم، وحال كائنا خرافيا، ينفث النار في جسد الحقيقة.

يظهر التلفزيون قدرة عجيبة في تشكيل الشخصيات، وإعادة صياغة أقوال الناس، يخلق لغة موازية، للغة الأصل التي أدلى بها أصحابها، يبني واقعا متخيلا، هو صورة محرفة للواقع الفعلي، ويجعل منه حقيقة، يتموقع كوسيلة للسيطرة، وتوجيه الجمهور، يجري التحقيقات، ثم يعيد تركيبها وفق المصلحة التي تخدم المسؤول، و<<من هذا المنظار، لا تبدو حرية الصحافة على أنها الضمانة التلقائية لانتصار الحقيقة>>(فيليب دوفور: فكر اللغة الروائي، ترجمة هدى مقنص، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ط1/2011 ص251) يصرح الراوي واصفا وحشية التلفزيون التنين في طريقة تعامله مع الوقائع، وبذلك يلتقي صوته بصوت الناس الذين يحاورهم، رغم غاية التلفزيون في جعل الصحفي السيد، المتحكم في الحدث، وصانع الشخصيات.

ويأتي خطاب الراوي الجديد نتيجة تأثره بموقف الناس ونقدهم للتلفزيون، ووقوفه المباشر على واقعهم، وهكذا يراجع موقفه تجاه المؤسسة التي ينتمي إليها وظيفيا، مع اعترافه بعجزه عن الانسحاب، أو اتخاذ قرار حاسم، يصرح مرتبكا: <<أعتقد أنني بدأت أصاب بعدوى حبك...أو العطف عليك...أم أنك تؤنبني لأنني مجبر على الكذب إرضاء لهم؟...ولكن ماذا تريدني أن أفعل؟...لا استطيع التضحية بكل ما أملك...الدنيا هكذا...>>(ص174)، يعترض المراسل على مؤسسته، التي بدل تقديم الحقائق، تقوم بتدميرها، حجتها حماية المواطن من الأفكار المدمرة، بهذا السلوك تصبح الوسيلة الإعلامية تمثيلا لسوء استعمال السلطة، وابتعادها عن طبيعتها الأساسية، التي تجعل منها فضاء ديمقراطيا، تسمح بالرأي المخالف، وتوصيف الأوضاع كما هي في الواقع، دون فبركة. تدفع هذه الأسباب التلفزيون نحو السقوط حتى لدى موظفيه، ومنهم الراوي الرافض لمهمة التشويه، تشويه شخصية (قيس)، ومن ثم تحريف الأحداث، فلم يعد وسيطا أمينا ينقل هموم الناس، ويشرح تطلعاتهم وطموحاتهم، ويعبر عن آمالهم، وآلامهم، خاصة هؤلاء المنسيين في مداشرهم أعلى الجبل، لقد تنكر لرسالته الأساسية، وقتل في الصحفي روح النقد، سلبه القدرة على الإبداع والتفكير، وسخره للمرافعة عن قضايا ليست هي قضايا الناس، في جو بعيد عن فكرة الديمقراطية، بل صار الصحفي بممارساته صورة أخرى للسلطة، جعلت الناس في الجبل يرفضونه، ويرفضون ما يمثله، يرون فيه التنين الذي أحرق الحقيقة، ومعها أحرق كل آمالهم في التغيير، ولا يخفي الراوي المراسل ذلك فيعترف: <<انتهى العمل... فراغ كبير يملأ صدري...وأنا عاجز عن تغيير الأمور...عاجز عن الكف عن ظلم رجل لا أعرفه تماما...ماذا أفعل يا إلهي...لقد جئت العالم وقواعد سيره موضوعة منذ القدم...لا أقوى على تغيير الأشياء...لا أملك أن أزحزح القواعد...المنظومة قوية جائرة إذا حاولت اللعب معها تكسرك وتقسمك نصفين...ماذا أفعل؟>>(ص204).

ماذا أفعل؟ سؤال يوقع الصحفي في اللامبالاة التي تحدث عنها (زيما)، حيث يستوي عنده –رغم رفضه واعترافه بخطأ ما يقوم به- الحقيقة والزيف، ويبدو انتقاد الكاتب (فيصل) بالكتابة الروائية ملاحظة موضوعية لما يمثله التلفزيون، <<وليس خطئي أن الجزائر بلاد شابة...السلطة فيها عمياء لا يحكمها قانون...والناس فيها بسطاء جهلة لا يقلقهم الجوع والعراء...ولا يزعجهم الضباب المحيط بهم...

ليس خطئي أنا أن العالم كما هو في هذا الجزء منه...

ربما كان علينا أن ننتظر أكثر...قد تكون الحقيقة الكبيرة التي في هذا الفلم أنه علينا أن ننتظر أكثر؟>>(ص206).   

يحضر موقف الناس وانتقاد الراوي للتلفزيون علامة تنتج معنى الخسارة، خسارة التلفزيون لجمهوره من جهة، وخسارته للمصداقية من جهة أخرى، يفتقر لفكرة المشروع، ومن خلفه السلطة، التي تتحكم فيه، تلخص قاعة التحرير وظيفته، أين تعاد صياغة أقوال الناس، وتعدل مواقفهم، بلا أي اعتبار للحقيقة، ولا احترام لشرف المهنة، والنتيجة: يبيع الراوي/الصحفي جهده رغم عدم قناعته بالشهرة أو المال، ويقع ضحية الاستلاب، يدفعه الواقع المعيش إلى التبرير من أجل راحة نفسية مكذوبة <<ويبقى عزائي الكبير أنني لم أكذب إلا في إطار الحقيقة التي قالوها أو في إطار ما أعتقده أنا نفسي حقيقة...عزائي الوحيد أنني أنا نفسي لم أكذب إلا جزئيا...>>(ص174) ، لذلك يستمر في مهمته: <<لي طرق خاصة في التركيب تسمح بقطع حديثها بتدخلين أو ثلاثة تقلل من حرارة الحديث المتواصل... سأختار لها موسيقى تبرد الانفعلات...كل هذا بسيط وهي نفسها ستتفاجأ من كونه كلامها، وستقول دون شك "أعتقد أنني قلت أشياء أخرى..." هذه الأشياء اختصاصي...هذه الأشياء مصدر رزقي بالدينار وبالدولار...>>(ص149)، بينما يقف الكاتب من خلفه منتقدا، غاضبا، تصبح الصحافة أسلوبا لتمرير رؤية سياسية لصالح فئة مسيطرة، بدل أن تكون فنا وفكرا تحكمها المهنية.

تزداد وظيفة التلفزيون والراوي قتامة كلما كشف السرد عن دورهما في تغييب الحقيقة، وتزييف الوعي الجمعي، تكشف عن ذلك اعترافات الراوي، وهو يتحدث عن طبيعة وظيفته كصحفي <<أشعر أحيانا كأنني أحسن العمل إلى درجة كبيرة لكي أشتري خطيئة المحتوى الكاذب...ما أخطر هذه الأمور!...>>(ص204)، وهنا يكتسب التقرير الصحفي عن شخصية (قيس) بجمالياته  قيمة فنية، يبرع الراوي في إعداده، بينما يقف الكاتب أيضا بتحفته الروائية منتقدا دور الصحافة، التي انحرفت عن وظيفتها الأساسية، وهو يفعل ذلك انطلاقا من الوسط الصحفي كونه صحفيا، عارفا بخفايا هذه المهنة، لقد أراد تفكيك التلفزيون من الداخل باختياره بطلا من وسط الصحافة، ثم اسند له مهمة الراوي بضمير المتكلم، ليتكلم بلسان المؤسسة، ولا ينوب عنه راو بضمير الغائب، يتحدث عن لسانه، الأمر الذي يحمله إلى درجة الشاهد، شاهد على اغتيال الحقيقة.

يقع الراوي في مفارقة عجيبة، وازدواجية يعيشها منذ أن تطأ قدمه أرض القرية، ومع أول شهادة لسكانها؛ وبينما يحتم عليه واجبه كمراسل للتلفزيون إنجاز التقرير الخاص بـ(قيس) وفق المعايير المحددة من طرف المسؤولين، والتي تختلف عما صرح به الناس، يرفض ضميره المهني بقوة تزييف الحقائق، ليعيش صراعا عنيفا تنتهي الرواية ولا ينتهي، تاركا النص مفتوحا على احتمالات القراءة.

وهكذا يصبح ما يقدمه التلفزيون محط اتهام (لغته، صوره، أخباره، تقاريره...)، تلتبس فيه الحقيقة بالزيف، حيث يمكنه إقناع العواطف، بينما تأبى العقول التصديق، ويتحول الصحفي/الراوي في نظر الناس إلى سفسطائي، يواجه رفضا قويا، واستنكارا؛ هو رفض لمؤسسة التلفزيون، ومن يقف خلفها.

وكأن بالتلفزيون يعمل على توحيد الرأي العام تجاه (قيس)، لكن بوجهة نظر واحدة يقدمها هو، ويفرضها، يضعف روح النقد لدى الناس حتى لا يبقى من يعارض روايته، وهو الأمر الذي عجزت السلطة بوسائلها (التلفزيون) عن تحقيقه، والسبب هو اعتماد الفرد على جماعته الاجتماعية والفكرية، وليس على وسائل الإعلام، فقد واجه الراوي رفضا واسعا فقط كونه من التلفزيون المتهم بتزييف الحقائق، لذا يتأسس السؤال الآتي: ما هي قيمة الحقيقة في عرف التلفزيون؟ هل التقرير الذي يعده الراوي عن (قيس) نوع من السفسطة أم توجيه نحو الحقيقة؟ هل يمتلك القدرة على التأثير في جماهير المشاهدين (وإن كانت الرواية بلغتها قد أجابت عن هذا السؤال)؟

خامسا- التفكير خارج العلبة:

وبالعودة إلى الخطاب الذي أسسه (فيصل لحمر) فإن التلفزيون يعمل على خصي الفكر وجعله عقيما، بدل تنوير العقل <<هآنذا أحذف التعابير التي تعلي من شأن هذا الرجل…سأحذف كل ما قيل…كلهم يحبونه…والذين يقولون في حقه أشياء سيئة أو باردة يبدون هم أنفسهم حقيرين…بالله…ما أضعفني !... ما هذا الخصاء كله؟!...>>(ص201)، يحضر الراوي المحسوب على التلفزيون شاهدا على ذلك، وبسببه يعيش قلقا كبيرا، وترددا في إنجاز مهمته، وترددا آخر في الطريقة التي سيعد بها التقرير، تحت ضغط الحقيقة التي جاء يبحث عنها، وفق ما كان يتصوره هو، لا كما صدمه الناس بها فعلا. يشعر تجاه نفسه بالاحتقار، لا يملك حرية التفكير. ويشير هذا التحول إلى الأنساق المضمرة للتلفزيون كتمثيل للسلطة الفعلية، حيث تتجذر البنية الفكرية التي تحكم الإعلام باعتباره وسيلة لا للتعبير عن الرأي والرأي المخالف، بل لتكريس رأي واحد لمصلحة فئة واحدة؛ تصنع الراهن، وتحدد الموضوع وطريقة عرضه، بحيث لا يكون هناك مسار يسمح بأي نوع من التعدد.

ويقدم الراوي صورة عن هذا الوضع: <<خذ قرارات جديدة.........كذب على النفس

قرر حرق جميع ما صورته وإنقاذ الرجل من عار ستلحقه به....كذب على النفس

قرر إكمال العمل كما يرضيك.....مغامرة تنتهي بعزلك عن التلفزيون...

اطرح أسئلة ولا تجبها.........حياة

أجب عن الأسئلة كما تريد أنت.........موت

أجب عن الأسئلة كما يريدها مديرك ومديروه....عودة من إلى موت...

والحل؟.......سؤال !>>(ص183-184)، يكشف المقطع عن قهر يعانيه الموظفون في هذه المؤسسة، يتمثل في قهر الضمير، وكبت الحرية في نقل الواقع كما هو، وخصي الفكر، حيث يأتي التقرير في هذا السياق ليجعل من الراوي يعيش الانشطار، بين ضمير مهني يريد نقل الحقيقة، ووظيفة تجبره على تزييف هذه الحقيقة تبعا لرؤية السلطة، وإنتاج خطاب سلطوي، لا يمارس الإقناع، بل يفرض رؤيته على المواطن. وإن كان الناس في القرية متصالحين مع ذواتهم تجاه الواقع الذي يعيشونه، حتى وإن اختلفت مواقفهم تجاه هذا الواقع، فإن الراوي وباعتباره عضوا في المجتمع فإنه يعاني استلابا على مستوى الذات، يعرف الحقيقة الآن، غير أن المهمة الموكلة إليه هي تقديم فكرة جاهزة عن (قيس)، بدل تلك التي شكلها الناس انطلاقا من معايشتهم للأحداث، لذا تتشظى الذات، خاصة وهي تدرك زيف الخطاب الذي تشكله، وتدرك أن الجمهور يعرف مسبقا هذا الزيف، ويحتقر صانعه والمتوارين خلفه.

تلتقط رواية (ساعة حرب ساعة حب) آراء الناس في القرية، التي عاشت ظروفا أمنية صعبة، وسبقتها معاناة اجتماعية، أدت إلى بناء وعي سياسي واجتماعي، تعبر به كل جماعة عن وطنيتها، تكشف القراءة على أنها جماعة واحدة رافضة لتغييب وعيها، وللظروف التي وضعت فيها، وهي هنا تكشف عن أنها الجماعة المقهورة، بينما يقف المخالفون للرأي، والمناهضون لما قام به (قيس) أفرادا يقدمون مواقف فردية، تتفاوت من مثقف مختلف فكريا، وانتهازي استفادة من ظرف قاس، لا يمكنه العيش خارج (التخلاط).

وفي مكان محدود كالقرية لا ينسى الناس (قيسا)، إذ يبني الرجل ويشكل الرأي العام، ويصبح موقف السكان وكأنه استفتاء حول شخصية (قيس) المعارض من جهة، والتلفزيون ممثل السلطة في الجهة المقابلة، وهو مؤشر على وجود انفصام تام بين الناس وبين التلفزيون، كما تظهره اللغة، لكن المضمر هو فصام بين الشعب والسلطة، فمن جهة تتموقع السلطة في مكان متعال، في المقابل هناك القرية وما تعانيه من مشكلات اجتماعية واقتصادية وأمنية، وتنمو تصريحات الناس رمزيا، لتجعل من الرواية صوتا هو صوتهم، صوت المقهورين، لكن ما الذي يمكن لهذا الصوت أن يفعله؟ وبمعنى آخر هل يمكن للرواية أن تغير واقع الإنسان؟ هل يمكن للريبورتاج أن يغير قناعة هؤلاء القرويين تجاه (قيس)، وتجاه التلفزيون ومن ثم السلطة؟

تسير الرواية في خطين متوازيين، التقرير في خط السلطة، وخط سرد الرواية للطريقة التي أنجز بها التقرير، والتي تعد صوتا إضافيا لصوت القرية. نقف على وظيفة الخيال/الرواية وعملية التخييل التي أنتجته، والتأسيس لصورتين متناقضتين؛ التقطت الرواية لغة اليومي ونسجت منها مشهدا مفارقا لنفسه، فبدل أن يكون واحدا متناغما بحكم أن أصحاب الكلام الأصلي ينتمون لجغرافيا واحدة، تجمعهم وحدة المصير، نقف على واحد يحافظ على منطلقاته، بينما ينزاح الآخر ليتموقع في صورة السلطوي المصلحي، ويعمل على تعميق مأساة الأول، وسيلته التلفزيون على مستوى الرواية.

سادسا- الرواية تتكلم:

جاءت بعض الشهادات لمتكلمين مجهولي الهوية تستعمل فيها الرواية (جزائري مجهول، مجهولة طالبة جامعية، طلبة كلية الفلسفة، مسلح تائب مقنع تكررت (خمس مرات)، شكلت هذه الشهادات بدورها رأيا عاما، منقسما بدوره تجاه شخصية (قيس)، وهذا الرأي يكشف عن قلق نتيجة وضع طارئ، والطريقة التي بها يتعامل الإعلام الممثل في التلفزيون، ومن ورائه المسؤول، الذي يرى في الحقيقة تهديدا لموقعه المتعالي، ويحضر الراوي عنصرا في هذا الكيان، يرى هو الآخر حريته مقيدة، ممنوع من التفكير، ومع أنه يروي عن (قيس) فهو في الوقت نفسه يروي عن الذات عن (أنا) <<هل يعقل أن يلبسني إنسان هو موضوعي؟...أرى أحلاما ديكورها مدينته...الأسماء التي تملؤها أسماء معارفه وأهله ورفقائه...أرى أحلاما يتحدثون فيها إليّ منادين إياي قيس بو عبد الله...>>(ص192)، وبذلك يصبح (هو) (أنا)، يتحدان في ذات واحدة، هي الذات الجزائرية التي تبحث عن الحقيقة ومخرج لوضعها الحالي، يؤطرها قلق وجودي.

ويتأكد ذلك في شهادة (قيس) المتمثلة في رسالة أرسلها إلى زوجته معنونة بـ"رسالة من عنابة 03/10/1990"، يختمها بقوله: <<ومع ذلك فأنا الآن ذاهب إلى قاعة المحاضرات لألقي شيئا حول مناهج النقد الأدبي الجديد...>>(ص196)، ونلمس فيه تدخلا من الراوي الذي هو الكاتب هنا، تدلل عليه وظيفته الماثلة في الملفوظات (ذاهب، قاعة المحاضرات، ألقي، مناهج النقد الأدبي الجديد)، وإن كان السرد يقدمه على أنه كلام (قيس)  لنكتشف أنه أستاذ جامعي، هو الكاتب نفسه يطل علينا عبر هذا المقطع، ويعري راويه لنعرف حقيقته،  إنه (قيس)، الذي هو الكاتب؛ كلاهما شاعر وناثر (الكتابة)، كما يبدو من حديثه عن الأدب والشعر والرواية، وإن كان المضمر في لغة السرد، ومن تحيل عليه علامات الوظيفة وموهبة الكتابة، هو شخصية حقيقية كان لها دور في أحداث التسعينيات، تشارك الكاتب (فيصل) هم الوظيفة والكتابة والوطن معا، وما (قيس) سوى معادلا موضوعيا اتخذه الكاتب كي يحكي عن قلقه الوجودي في ظل غياب الحقيقة عن واقعه.

وتصبح اللغة لغة الجميع على اختلاف مواقفهم، يختلفون في شخصية (قيس)، ويتفقون في موقفهم الرافض للتلفزيون، رمز السلطة، حيث يتجاوز الموقف الاختلافات الأيديولوجية والانتماءات السياسية، والفوارق الاجتماعية. ويحيل صوت سكان القرية والراوي معهم، وحتى (قيس) على موقف الجمهور تجاه سلطة الإعلام والمتحكمين فيها، وهو وعي سياسي أنتجه وضع متعدد المستويات خاصة الأمني منها والاجتماعي والاقتصادي، وبينما الجميع يعيش انسجاما بين قناعاته وبين ما يصرح به، يبدو الراوي مترددا بين ما يقتنع به، وبين ما يقوم بإنجازه بحكم وظيفته (مراسل).

تقدم الرواية نموذجا للغة عفوية، بليغة، بسيطة وأصيلة، تصدر عن الناس، مقارنة بلغة التلفزيون المتكلفة والمراوغة، يسخر منها المتلقي عامة، ويضع الراوي مسافة بين اللغتين؛ تكون لغة العامة منسجمة مع أصحابها الناطقين بها، وتكون لغة الإعلام مفارقة لذاتها، كما يعبر عن ذلك الراوي نفسه، تدفع إلى التساؤل عن لغة إعلام، تغلب عليه الرؤية الأحادية، على الأقل في الزمن الذي يؤطر أحداث الرواية، وهي لغة جاهزة، تخضع للقص والتعديل والتركيب، تعمل على إحداث شرخ في لغة الناس ومواقفهم، كي تسود هي وحدها، بلا لغة مخالفة، هدفها الهيمنة والسيطرة، وبذلك ينقطع التواصل بين فئات الناس في القرية، وما هم إلا رمز الشعب، فتصبح لغتهم الواحدة مجموعة من اللغات المتناقضة حد الصراع، ولا يكون الحل إلا في لغة التلفزيون، وهنا نعتبر الحقيقة لا تصدر إلا من الخطاب البسيط والتلقائي، حيث تتقدم الأخطاء نفسها ضمانا لصدق الخطاب.

وهكذا تكشف القراءة أن التلفزيون يتأسس جمهورية مفارقة  لجمهورية الناس، تختلفان جذريا، تحمل كراسات الراوي اعترافات وخطابات تؤكد المفارقة، حتى أن صوته ينسجم مع صوت التلفزيون، بل هو صورة له، باستثناء ما يسره لنفسه وللقارئ، كون القارئ خارج النص لا يستطيع الوشاية به، وإن حاول ذلك.

وبتصاعد صوت الناس في الرواية حاملا غضبا شديدا مخالفا لما يريد التلفزيون تقديمه -فقد تكلمت الشخصيات بلغة صدمت الراوي وجعلته يراجع لغته ومواقفه- لم تعد أصوات هؤلاء البسطاء في قرية تعاني من كل ناحية، قادرة على الصمت، لقد اتهموا التلفزيون بتشويه الحقيقة، واللعب باللغة ومحاولة إيهام الناس بما يبثه من تشويه للحقائق، يعبرون بصوت واحد ضد مكر التلفزيون ومن يقف خلفه، والإشكال الأكبر أن التلفزيون يدعي أنه يتكلم بصوتهم هم، الناطق باسم المقهورين على يد (قيس) وجماعته، وكأن الرواية تريد أن تجعل اللغة تسمو لتصبح اللغة المتداولة واقعيا، تصرخ عاليا لتعلن عن نفسها، لغة جماعة اجتماعية، حيث كلام التعبير وصيغه، تكشف عن تباين الصوتين، وعن اختلاف المواقع بين الشعب والتلفزيون، وهنا نكون أمام لغة اجتماعية لمجموعتين منفصلتين، تنموان لتصبحا طبقتين: طبقة مقهورة وطبقة قاهرة، وفق النظرية الماركسية، يعلو صوت الثانية لامتلاكه واحتكاره أدوات التوصيل، يعمل على تكريس الواقع باعتباره المستفيد، ويخفت الثاني لافتقاره لهذه الأدوات، أدوات تمكنه من تغيير واقع يراه مزيفا، حسب ما يذهب إليه (لوكاتش) وهو يتحدث عن الأدب والمجتمع في مفهومه لفكرة الانعكاس، ومع ذلك نلمس قوة هذا الصوت في الواقع، واقع الرواية، فهو وحده المتداول، ليكون علو الصوت الزائف مجرد وهم، وافتراض، لا يلامس الواقع الفعلي الذي تصوره الرواية.

بينما ينفصل صوت الراوي عن صوت التلفزيون في مستوى الحوار النفسي، نسمعه خافتا، يفسح المجال للتردد كي يسيطر على لغته، تجيء كلمات الناس مخيبة لأفق انتظاره، يستمع إليها بكل جوارحه، تتراكم أصوات الناس موثقة واقعا لم يشهده هو القادم من المدينة، ويبدأ موقف جديد في داخله يتشكل، ينمو ويصبح واضحا لا لبس فيه، ينتهي بدعم موقف الناس، وخلفه الكاتب مؤيدا ومساندا، وتكون الرواية نفسها بيان مساندة لقضية هؤلاء تجاه التلفزيون.

بعد ذلك يتقدم كلام الراوي معارضا للغة التلفزيون، يغلب عليه الأسى، يتحول إلى موضوع في سرد الناس، فبدل أن يسرد هو حكايتهم، تحول إلى حكاية يحكونها هم، ساخرين وآسفين في الآن، تصبح رؤيته للواقع مختلفة، يغير زاوية النظر التي منها يرى الوقائع، و شعوريا يدرك أنه ينتمي لهؤلاء البسطاء القابعين في أعلى الجبل، هو الذي أراد أن يسجل الشهادات بطريقته، ويصنع لغتهم، ينقلب على نفسه وعلى المؤسسة، تلح عليه الحاجة على وضع مسافة مع التلفزيون، لكن كيف؟ فهي مصدر رزقه، هل يمكنه أن يؤدي صوتين متناقضين في الوقت نفسه؟ هل يقوى على هذا الانشطار؟

لقد وجد الناس في مؤازرتهم لـ(قيس)، إنما يقدمون موقفا إنسانيا بعيدا عن التواطؤ الأيديولوجي، كما حال من يعارضون (قيسا)، وهم في ذلك يؤازرون أنفسهم؛ لأن صوت قيس هو صوتهم، وإن اختلفت اللغتين؛ لغة الكلمات ولغة الرصاص، لقد أرادت السلطة وسيطها التلفزيون الظاهر، وهدفها القهر المتخفي في الكلمات، يعبر عن نفسه بتمثيلات اجتماعية ونفسية، محفورة في وجوه الناس، قهر صوت هؤلاء المحتجين.

يصبح التلفزيون وسيلة سمحت لهؤلاء المقهورين بالتعبير عن غضبهم مع علمهم أن كلامهم سيتم تزييفه، ينكشف خطابا شعبيا على صفحات الرواية، يتخذ منحى ديمقراطيا بين مؤيد لـ(قيس) ومعارض له، وتبقى السلطة وحدها خصما مشتركا، تتنوع المواقف وتتوزع إلى خطابات مختلفة، تنطلق من موقع كل متكلم، بالإضافة إلى خطاب الراوي المتردد والمنتهي باليقين، الذي رسخته الرواية من خلال أقوال الناس.

ويعمل التلفزيون من أجل فرض صوته على الجمهور، بل حتى على الرواية نفسها، ويعمل الكتاب (فيصل) على كشف زيف هذا الصوت وبلاغة لغته المراوغة، من خلال راويه الذي يعترف أمام ضغط صوت الناس الراسخ في الحقيقة. هكذا يتكلم التلفزيون ضد كلام الناس/الشعب، وهكذا تقف الرواية في وجه هذه البلاغة المصطنعة، تدفعها الحقيقة الماثلة في كلام الناس، والمؤكدة بأحداث الواقع، ويجد الراوي نفسه محرجا في تبني صوت التلفزيون حيث ينتمي مهنيا، بينما تسحبه الحقيقة في كلام الناس نحوها، والأدق تعيده إليها، ترتسم مقابلة بين صوت الحقيقة وصوت الزيف، وينشأ صوت متمردا على صوت مؤسسة، قهرت صوت الحقيقة باغتيال (قيس) الرمز، الذي لم تمنحه مساحة للرأي، وعندما جاءت الفرصة رفع صوته، الذي هو صوت الحقيقة دون خوف، فلم يعد هناك ما يخسره بعد كل هذا الخراب.

سابعا- ختامها دعوة للتفكير:

يستمع الراوي لشهادات الناس مسجلا إياها في كراسته لمدة أربعة عشر يوما، يقدم كل شهادة وكأنها جلسة استماع في تحقيق، وهو بالفعل تحقيق ولكنه تلفزيوني، وكل شهادة إما أن تدافع عن (قيس) أو تهاجمه، وتبقى الشهادات الداعمة أكبر من المعارضة بكثير، مما يدفع الراوي إلى الانتصار للأولى، خاصة وهو مكلف بقلب الحقيقة كما يشتهي مسؤوله في العمل، حيث المونتاج وإعادة التركيب بعد الحذف والتنقيح. وهنا يترصد التلفزيون للحقيقة، ويعيش الراوي قلق الحقيقة، وقلق الوجود. ما السبيل لنقل الحقيقة كما هي، كما سمعها من الناس؟ الحقيقة التي يريدها التلفزيون منشطرة ومتشظية، يسجل الشهادات في كراسته عن (قيس)، ورغم أن الشهادات كلها ثابتة بين مؤيد ومعارض إلا أن الراوية تعيش مفارقة، فلا تطمئن إلى حقيقة بعينها، وتستمر في طرح الأسئلة (ما الحقيقة؟) وبها تنتهي. وبذلك تضع القارئ في مفترق الطرق محتارا في أيها يسلك، ساعيا خلف الحقيقة، وهو بنفسه يسأل ليس عن الحقيقة، بل هل هناك فعلا حقيقة؟ هو الواقع بوقعه الثقيل يدفع إلى التشكيك في كل شيء.

وكأن الرواية تقوض الأحكام المسبقة، والأفكار الجاهزة، تلك التي جاء بها الراوي المراسل إلى القرية. وتحفز العقل دوما على محاورة الواقع الفعلي ومساءلته، بدل اتخاذ وسيط، ليس دائما أمينا، ولو كان صادقا، وبذلك تصبح الحقيقة ليست هي هدف الكتابة، بل الدعوة إلى التفكير، ومعاينة الوقائع عن قرب، والتعامل مع المعطيات، ومنح مساحة للعقل كي يفكر، من أجل اتخاذ موقف، لأن التردد لا يصنع موقفا، ولا الوقوف وسط النهر، لأن النهاية ستكون الغرق، ولن تنفع النجدة مهما تصعد الصراخ طالبا النجدة. هكذا تفكر (ساعة حرب ساعة حب)، وهكذا تدعونا إلى التفكير، تلك هي ورطتي مع ساعة (فيصل)، وأردد مع الراوي: <<إلى أي حد يمكننا أن نزعم أننا نعرف الآخرين؟

إلى أية درجة يصدق من يعتقد أنه يعرف نفسه؟

لقد أشعل أرسطو شمعته تلك ولا نعرف حتى الآن إن كان وجد الحقيقة أم لا!...وأغلب الظن أنه لم يجدها...

نذهب إلى الحقيقة نفسها...إلى جوهرها...فنجد أنفسنا محتاجين إلى شموع أخرى كي تضيء الشمعة الأولى...

في كل مرة نرتاح إلى وجه يتضح أنه قناع ثم ننزع القناع فنجد قناعا آخر...وقناعا فقناعا تضيع السبل كلها...ولا نرغب آنذاك سوى في النوم كي نرتاح قليلا...

ولا راحة سوى في وهم اعتقادنا أننا نعرف ما نعرف ومن نعرف...ووهم اليقين متى نرى أنفسنا متيقنين من شيء ما...>>(ص205، وهكذا يستمر السؤال، والسؤال باب المعرفة.

 

 

 

 

نها الجماعة المقهورةأ

 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نظرية الخلق

الشريف حبيلة جامعة منتوري- قسنطينة1 نشأة نظرية الخلق [1] : تعود نشأة نظرية الخلق إلى النصف الثاني من القرن 19 في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا مع بروز دعوة (الفن للفن)، ومناداة (أندرو سيسيل برادلي) إلى (الشعر للشعر) إضافة إلى صعود المذهب الرمزي في الشعر، وكان اسم (الخلق) بديلاً للتعبير والمحاكاة والانعكاس، في امتلاك منطق نظري يحيل على الخلق الأدبي أوالفني للعمل، أي إلى الابتكار التقني، وليس إلى علاقة بينه وبين مؤلفه أو بينه وبين الواقع الخارجي الذي يصوِّره. وإذا كانت نظرية التعبير استجابة للحرية ولشعور الفردية في الأوضاع التي صعدت فيها الطبقة الوسطى بعد قيام الثورة الفرنسية واندحار الإقطاع ونهضة الصناعة، فإن نظرية الخلق تنطوي على خيبة أمل في طغيان الذاتية وفردية الإنسان بالمعنى الرومانسي. فالأدب حين يغدو رهناً للرغبات، وحين يرتبط بأي قيمة أخرى غير القيمة الجمالية يصبح ملوَّثاً ومفارقاً للنقاء. ومن هذه الوجهة يرصد المؤرخون لتاريخ النظرية والفلسفة الجمالية الانحطاط السياسي والاقتصادي والفكري في فترة صعود نظرية الخلق، لكن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الرصد هو وصف الانحطاط الأدبي من ...

المنهج التاريخي

                                                                                          أ. د الشريف حبيلة             جامعة منتوري- قسنطينة 1 مقدمة: للتاريخ معنيان عام وخاص: المعنى العام هو منهج البحوث التي تنظر إلى الفرد في علاقته بالتطور البشري، وفي الحقل الأدبي، وتقتضي دراسة الأديب أو الحركات الأدبية العامة تبعا للتطور الفني والاجتماعي والسياسي والديني. والمعنى الخاص هو ارتباط الحدث، الزمن كسلسلة منظمة حسب نسق زمني أو دراسة أعمال أدبية معينة بحسب تسلسلها التاريخي أو بمعزل عنه. ولا يمكن عزل هذا ال...

الكتابة على أنقاض الواقع، دراسة في رواية الشمعة والدهاليز للطاهر وطار

                                                                          الشريف حبيلة                                                     قسم اللغة و الأدب العربي                                                       جامعة منتوري- قسنطينة1 تتأسس الدراسة على مقاربة التفاعل الحاصل بين الواقع الاجتماعي، و...