الشريف حبيلة
جامعة منتوري- قسنطينة1
نشأة نظرية الخلق[1]: تعود نشأة نظرية الخلق إلى النصف
الثاني من القرن 19 في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا مع بروز دعوة (الفن للفن)، ومناداة
(أندرو سيسيل برادلي) إلى (الشعر للشعر) إضافة إلى صعود المذهب الرمزي في الشعر، وكان
اسم (الخلق) بديلاً للتعبير والمحاكاة والانعكاس، في امتلاك منطق نظري يحيل على
الخلق الأدبي أوالفني للعمل، أي إلى الابتكار التقني، وليس إلى علاقة بينه وبين
مؤلفه أو بينه وبين الواقع الخارجي الذي يصوِّره.
وإذا كانت نظرية التعبير استجابة
للحرية ولشعور الفردية في الأوضاع التي صعدت فيها الطبقة الوسطى بعد قيام الثورة
الفرنسية واندحار الإقطاع ونهضة الصناعة، فإن نظرية الخلق تنطوي على خيبة أمل في
طغيان الذاتية وفردية الإنسان بالمعنى الرومانسي. فالأدب حين يغدو رهناً للرغبات،
وحين يرتبط بأي قيمة أخرى غير القيمة الجمالية يصبح ملوَّثاً ومفارقاً للنقاء. ومن
هذه الوجهة يرصد المؤرخون لتاريخ النظرية والفلسفة الجمالية الانحطاط السياسي
والاقتصادي والفكري في فترة صعود نظرية الخلق، لكن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا
الرصد هو وصف الانحطاط الأدبي من زاوية ارتهانه إلى حليف ملوَّث سواء كان الأخلاق
أم العلم أم المجتمع. هكذا أصبحت نظرية الخلق فراراً من النفعية بقدر فرارها من
العالم الخارجي ومحاكاته، وبقدر تحاشيها المعاني المحددة والمقاصد المتبلورة
سلفاً. وقد نقول إن في ذلك نوعاً من تَتْفيه القيمة الجمالية لأنها لا تخدم قضايا
إنسانية واجتماعية.
لقد برز في ضوء نظرية الخلق وصفٌ للعمل الفني
والأدبي، يستبدل (التُّحفة) ب(الوثيقة)، فالعمل في نظرية التعبير كما في نظرية
المحاكاة هو وثيقة، ولذلك برز الاهتمام بالعلاقة التي تصل بينه وبين موضوع التوثيق،
الذي يقع خارجه، وهو العالم الخارجي في المحاكاة، وشخصية المؤلف في نظرية التعبير.
أما في نظرية الخلق فقد أصبح العمل تحفة، لأنه استحال إلى غاية في ذاته، ولم يبق
وسيلة إلى ما هو خارجه.
وذهب الكثير من النقاد المحدثين إلى رفض الإلحاح على
النفعال/الخيال في الفن، ورأوا ذلك تحويلا للفن إلى تعبير ذاتي، يتعارض والحرص على
موضوعية العمل الأدبي، وقيل أن المهم في الفن ليس الانفعالات رغم أهميتها، إنما
صياغة الانفعالات التي لا يستمد الفن أهيمته من عظمتها أو عمقها؛ أي من العناصر
المكونة لها، قدر ما يستمدها من عملية الخلق ذاتها، والضغط الذي يتم في ظله انصهار
المكونات المضغوطة. ولذلك كانت مهمة الشاعر كما ذهب الشاعر الناقد (توماس ستيرنز
إليوت 1888-1965) ليست في التوصل إلى انفعالات جديدة بقدر ما هي استخدام
الانفعالات العادية، والتوصل عن طريق تحويلها إلى تعبير عن مشاعر وجدانية قد لا
يكون لها وجود في الانفعالات الواقعية على الإطلاق. وذلك هو السبب في أن للقصيدة
وجودها الخاص، الذي ليس تكرارا أو انعكاسا أو محاكاة أو تصويرا لوجود خارجي أو داخلي
سابق، كما تصبح عملية الخلق محاولة لخلق جسم مادي أو صورة لعلاقة بين عالمين هما
النفس وعالم الطبيعة، الذات والموضوع، كما يصبح الواقع الذي تقدمه القصيدة غير
الواقع الحرفي للتجربة الشخصية بما فيها الانفعالات والمشاعر التي أراد الشاعر أن
يعبر عنها[2].
جذور نظرية
الخلق[3]:
1-الفلسفة المثالية الذاتية لدى كانت (1724- 1804م) توصل في فَصْله بين
الجميل والمفيد، إلى الاهتمام بخصائص العمل الفني في ذاته، وحسبان كل عمل فني وحدة
جوهرية ذاتية ينحصر فيها جماله، وتنحصر فيها الغاية منه، من دون النظر إلى مضمونه
أو علاقته بما هو خارج عنه. ولذلك امتاز الحكم الجمالي لديه عن الحكم العقلي
والحكم الخُلقي، بأنه صادر عن الذوق صدوراً لا تدفع إليه منفعة، بحيث تتطلب التملك
كما في اللذة الحسية أو تحقيق الموضوع كما في الرضا الخلقي. ويقود ذلك إلى ما
يسميه كانت (الغائية من دون غاية) وهي خاصية الجمال التي تحيله إلى غاية لموضوعه،
إذ يكفينا إحساس المتعة به عن السؤال عن الغاية من ورائه. وأخيراً فإن الحكم
الجمالي لدى كانت ليس نتيجة قياس منطقي أو نتيجة تجربة، وإنما هو نتيجة إدراك
ذاتي، ومع ذلك يغدو موضوعياً إذا ما أخذنا في الحسبان عمومه لدى ذوي الأذواق. فموضوع
جمالي لرضا كل الناس.
2-فلسفة شوبنهور (1788-1860م) وصف الرؤية الجمالية
بأنها تجاوزٌ المألوف في النظر إلى الأشياء، ونظر إلى الشيء موضوع الإدراك الجمالي
من جهة تخلُّصه من كل علائقه بحيث يملأ وحده وعي متأمله. فالجمال صفة للعالَم حين
نتأمَّله لذاته، ولذلك فإن سمو الفن لدى (شوبنهور) متأت من كونه يحرِّرنا من
عبودية الحياة؛ أي من عبودية الرغبات، يقدِّم مناخاً من التأمل الروحي الخالص من
الغاية، ويهيِّئ للاهتداء إلى الزهد المطلق.
3-الشاعر والناقد الإنجليزي توماس
إرنست هولم (1883- 1917م) نجد في فكره إيماناً
بالكلاسيكية ودعوة للعودة إليها، وذلك في المسافة نفسها التي يملؤها بالنفور من
الرومانسيين الذين رأى أنهم يملؤون الشعر بالعواطف والميوعة الوجدانية، التي لا
ترى الشعر إلا فيما يتضمنه من نواح وعويل. ولذلك كانت الفكرة الفنية لديه شكلية
تؤكد على قيمة الصورة وأهميتها، لكنها الصورة التي تفارق ذلك المعين الرومانسي
المترقرق بالعواطف بحثاً عما يصفه بالقصيدة الجافة. وهي لذلك صور تستمد مادتها من
المرئيات التي يقرنها بما هو عادي ويومي وتافه، حتى تفقد مألوفيتها وعاديتها
وتمسُّها كيمياء الخلق الشعري التي تصنع منها كائنات إبداعية جديدة.
ويمكن
إضافة (هيغل Hegel) (1770-1831) الذي يرى أن
مضمون الفن هو فكرة الجمال المستقلة مهما يكن مظهره الاجتماعي أو العملي. أما
(تيوفيل جوتييه) فالفن عنده ليس وسيلة بل غاية في حد ذاته لذا فهو مستقل
تماما، فلا وجود لشيء جميل إلا إذا كان لا فائدة منه وكل ما هو نافع قبيح. ثم بودلير(1821-1867)
الذي قال بفكرة الفن للفن والذي يرى بأن موضوع الشعر هو الشعر نفسه، وأن الشاعر
العظيم هو الذي يكتب لمجرد المتعة فقط[4].
جوهر نظرية الخلق:
لم يعد الناقد الموضوعي يؤرق نفسه بالانفعالات، بل يراها
أحيانا حاجزا يمنعه عن إدراك الخاصية الأصيلة التي تميز بها الشاعر أو الأديب من
حيث هو خلق تكمن أصالته الخاصة في مقدرته التخيلية الفائقة على التوفيق بين
العناصر المتعارضة والمتضادة داخل التجربة. ولذلك كانت قيمة الشاعر، ومن ثم قيمة
الشعر، عند الناقد (إقور آرمسترونج ريتشاردز 1893-1979) والشاعر (توماس ستيرنز
إليوت) لا تكمن في التعبير عن الحياة الإنسانية أو محاكاتها بقدر ما تكمن في
القدرة التخييلية على الجمع بين التجارب المنفصلة والمتباعدة والتنسيق بينها داخل
نسيج التجربة التي تغدو عملا إبداعيا[5].
يين (ريتشاردز) في تأصيله للعملية الإبداعية أنها تحقيق
لأكبر قدر من التوازن ين النزاعات المتعارضة، وذلك على نحو يؤدي إلى تخلق علاقات
جديدة بين العناصر، التي يعيد الخيال إنتاجها في تشكيلاته النسقية الجديدة. وتقوم
هذه التشكيلات بتجسيد القيمة الإبداعية للفن، من منظور الوظيفة[6] النفسية
التي يؤديها الفن. ويحيل التنافر إلى تجانس، بعيدا عن معنى المحاكاة أو التعبير،
ويستبدل النظام بالفوضى والتعارض بالتناغم. وعندما أكد (ريتشاردز) القدرة التخيلية
لإبلاغ الفن من هذا المنظور، خصوصا من حيث قدرته على الجمع بين التجارب المتباعدة
في أنساق جديدة، وقد صاغ ذلك من نقده لـ(ـكوليردج) عن الخيال[7].
وفي تأكيد الناقد الحديث لقيمة الأنساق المتشكلة من
تجاوب العناصر المتعارضة والمتضادة بواسطة الخيال، يبرز الفارق الحاسم بين نظرية
الخلق ونظرية التعبير، ولذا يرى (إرنست كاسيرر) أنه عندما نقول أن الفنان لا يحاكي
العالم الخارجي، وإنما يعرب عن عالم داخلي لا نصنع أكثر من قلب الصورة القديمة،
وذلك بما يظل معه الفن إعادة ونقلا ومحاكاة أو تعبيرا بلا فارق، إذ يصبح الفن
إعادة ونقلا لحياتنا الداخلية بما فيها من مشاعر وانفعلات[8].
وأتصور أن هذا الاعتراض الأخير أفضى إلى أن يضع فلاسفة
الفن موضع المساءلة طيعة الصلة بين الانفعالات والمشاعر داخل الفنان وخارجه؛ أي من
حيث هي دافع غامض مقلق، ومن حيث هي تعبير منجز تجسده تجربة جمالية. وكانت عملية
المساءلة تطرح السؤال الذي يقول: هل التجربة الجمالية المحققة في الخارج هي نفسها
المشاعر والانفعالات، التي بدأت منها في الداخل أم أنها تغيرت بفعل التعبير؟ إن
الفنان ينقل انفعاله من الداخل إلى الخارج عندما يجسده في عمل فني فيما تقول نظرية
التعبير. وهو يستعين على ذلك أداة للتعبير أو وسيط مادي يحقق للانفعال وجوده
الملموس. هذا الوسيط قد يكون اللغة في حالة الأدب أو اللون في حالة الرسم أوالحجر
في العمارة.. إلخ. والسؤال الثاني الذي فرضه السؤال الأول: هل يؤثر الوسيط (أو
الأداة) في عملية النقل هذه؟ وهل تتغير اللغة العادية لكي تعرب عن الانفعالات أم
أنها من طبيعة الانفعال في الوقت نفسه؟[9]
يرى الفيلسوف الأمريكي (جون ديوي 1837-1917) أن
كلمة (التعبير Expression) تعني العصر أو الضغط. وهي بما
عليه الجذر اللغوي الذي اشتقت منه (Press) تفسر عملية الخلق الفني. فهناك
مادة خام قد تشبه العنب، وهناك شيء خارجي قد يشبه معصرة، وخلال تحول المادة الخام
إلى (عصير Pressur) لا بد من وجود تفاعل بين المادة الخام والشيء
الخارجي. وتتحول طبيعة (المادة الخام) خلال هذا التفاعل فتصبح شيئا جديدا هو (العصير)،
الذي مصدره (المادة الخام) لكن العلاقة بينه وبينها أصبحت واهية بعد فعل العصر.
هذه العملية قريبة الشبه بما يحدث في حالة (الخلق الفني). يعني وجود انفعالات
ومشاعر كامنة في نفس الفنان، نتجت عن وقع العالم الخارجي، تظل مبهمة وغامضة، ولا
يمكن لها أن تتحدد أو يستطيع الفنان أن يحددها إلا بعد أن تتخذ لنفسها شكلا داخل
مادة ملموسة. في الشعر مثلا، تظل الانفعالات بمثابة وعي مبهم مشوش لشيء غامض إلى أن
تعثر على الكلمات أو وسائل التعبير التي تشكلها، وترفعها إلى مستوى الوعي الواضح.
وعملية تشكيل الانفعالات في مادة وسيطة ليست في حقيقتها سوى تفاعل طويل المدى بين
ما ينبعث من الذات من جهة، والظروف الموضوعية من جهة أخرى. وتلك عملية يكتسب فيها
كل من الانفعال والوسيط صورة ونظاما لم يكن يملكهما في البداية. وعلى ذلك فالعلاقة
التشكيلية بين الانفعال والوسيط، وهو اللغة في حالة الشعر، ليست علاقة وسيط أو
أداة توصيل تعكس وجودا سابقا، وإنما هي علاقة تفاعل، تفاعل الانفعال مع اللغة إلى
أن تسكن فيها، وتفاعل اللغة مع الانفعال إلى أن تستوعبه. وناتج هذه العملية ليس
اللغة العادية ولا الانفعالات الأصلية، بل لغة انفعالية جديدة إذا صحت العبارة.
وما تؤديه اللغة الجديدة هو موقف أو حقيقة وجدانية، لم يكن لها وجود مكتمل قبل
التعبير. لقد تعدلت ماهية الانفعالات والمشاعر الأولية، وأصبح لها بفضل التعبير
طبيعة جمالية متميزة، كما تعدلت المادة الموضوعية بسبب تفاعلها مع الانفعالات
والمشاعر، أو بسبب تحولها إلى وسيط تعبيري أو أداة للتعبير[10].
بعد هذا لم يعد مفهوم التعبير قاصرا على مجرد فيض تلقائي
للمشاعر والانفعالات القوية، ولم يعد الشعر شعورا يسترجع أو يستعاد أو يستذكر كما
ذهب (وردزورث)، بل أصبح مفهوم التعبير قرين عملية تشكيلية تنتج تجربة جمالية، لم
يكن لها وجود داخلي أو خارجي سابق على فعل التعبير. ولم تعد وظيفة المبدع، في ضوء
هذا الفهم للنظرية، هي التفريج عما في الصدر من مشاعر وانفعالات[11].
ويرى
(ديوي) أن المدع لا يتميز بثراء انفعالاته إنما قدرته على صياغتها في عمل فني. وبالتالي
تصبح عين الفنان عينا بانية كما هو عند (كاسيرر)، وليست عينا سلبية تتلقى انطباعات
الأشياء وتسجلها فحسب. وعندما ركز (ديوي) على الجانب المادي الذي تتجسد فيه حقيقة
التعبير، والمرتبط بالطريقة أو التشكيل، تعدلت النظرية وأصبحت أكثر تطورا[12].
مقولات
نظرية الخلق:
1-الشعر الصافي: هناك تماس بين نظرية الخلق ونظرية
التعبير في التأكيد على الحرية الإبداعية التي صارت الفردية والذاتية متكأ
للأخيرة، ووَسْمها بما تضافر عند الرومانسيين جميعاً مع ضيقهم بمجتمعاتهم
وتقاليدها والترابط بين سمو الفرد لديهم ومقدار تحرره من آثار المجتمع وتقاليده.
ولهذا لم يكن صدفة أن تعود عبارة (الفن للفن) التي بدت مقولة أساسية في نظرية
الخلق، وتعود للرومانسي (فكتور هوجو1802-1885) الذي تحدث في ديوانه (شرقيات)
(1829) عن (الشعر الصافي). فقيمة النص بوصفه إبداعاً لا تتحقق له الصفة الإبداعية
بانغماسه وتشارطه الوجود مع الفائدة، التي يتم حسابها في العلاقة بغرض اجتماعي.
وفي غضون ذلك تصبح الدلالة الشعرية، وقياساً عليها الأدبية أو الفنية، دلالة شكل
لا معنى، وصورة لا غرض. ما يحمله الوصف بـ(الشعر الصافي) من مجازية تستعير الصفاء
للدلالة على الخلو من الغرضية والنفعية والفائدة، فهذه الأخيرة لا تقف بالمعنى على
ما تحدثه من تلويث للشعر فلا يبقى صافياً، بل تفيض عنه إلى الإيحاء باتسامها هي
بالتلوُّث، وذلك بالتلازم مع المجتمع الذي تحيل عليه، أي المجتمع المغضوب عليه
رومانسياً[13].
ويؤكد
(برادلي) أن بين الشعر
والحياة
اتصالا خفيا، ويضيف بأن التجربة الشعرية غاية في ذاتها، وقيمتها هي قيمتها الذاتية. والحكم
على الشعر يفرض دخول التجربة وتتبع قوانينها، وأن ننسى ما يربطنا بعالم الواقع. والفن
لا يجب أن يوضع مقابلا للمنفعة الإنسانية؛ لأن العمل الفني الناضج بحد ذاته منفعة.[14]
2-الجمال: يقرر الأمريكي (إدجار ألن بو1809-1849)
في كتابه “المبدأ الشعري” (1850) أن القصيدة ينبغي أن تكتب من أجل القصيدة، وأن الهدف
النهائي للفن هو الجمال. وينظر إلى الشعر بوصفه شكلاً وصورة، ولا شأن له بالخير
والحق، وإنما بالجمال وحده. فالشكل عنده هو الأصل والمبدأ وليس المعنى، الذي يغدو
نتيجة الشكل لا أصله. وقد أكد على الفصل بين الشعر والشاعر، أو بين العمل الفني
والعاطفة الذاتية والإلهام، كما هو الشأن في نظرية التعبير[15].
3-الشكل أوالتقنية: وبناء على المقولتين السابقتين كان محور
نظرية الخلق الشكل أو التقنية، أي البحث عن الفرادة والاختلاف والابتكار. لذا يذهب
(بودلير) (1821-1867) إلى أن أول صفة للجمال في الفن هي إثارة الدهشة، وهي صفة
تقترن باتصافه بالغرابة وتقديمه ما هو مفاجئ وغير متوقع. ويرى أن (الجمال دائماً
غريب) وما دام غريباً، وغير متوقع فكيف يمكن أن تحتويه قاعدة أو تتعلمه مدرسة، ثم
لا تزول الغرابة وتبطل الدهشة! ويلزم عن ذلك نسبية الجمال لا إطلاقه، فليس هناك
جمال مطلق أو واحد، بل جمالات دائمة التجدد والحدوث والتنوع[16].
4-الخلق الأدبي: يفصل (بودلير) بين الشعر والنزعة
العاطفية الذاتية، في اتجاه التجرد من الذاتية الذي أصبح سمة الشعر الحديث، مثلما
غدا مقولة أساسية تتكرر، وتزداد عمقاً واتصالاً في الأطروحات النظرية الأدبية
الحديثة. وإذا كان مؤدى هذا التجرد ينقض نظرية التعبير التي تقوم على الذاتية، فإن
(بودلير) ينقض مقولة الإلهام، وذلك بتأكيده اللحظات الإرادية الذهنية في فعل الخلق
الأدبي. وعلى الرغم من أنه يكرر مقولة الفن للفن (لا غاية للشعر إلا الشعر ذاته،
ولا يستطيع أن تكون له غاية أخرى) فإنه يطورها بانتقاد ما يصفه بالصفة الطفولية
عند أصحابها، وعقم دورانهم على الفردية المحضة، بما ينفي العواطف الإنسانية[17].
5-الوحدة الكاملة: ليست عند (بودلير) إلا امتياز الفن
القوي في خلق سحر إيحائي يحتوي الغرض والموضوع، والعالم الخارجي والشاعر نفسه، مع
التأكيد على الفَرْض لشخصية الفنان، التي يجد الفن في فرديتها وداخليتها منبعه
وقانونه، فتغدو هذه الوحدة شرطاً لحدوث
أثر غير ضار للفن. ولذلك يتحدى أن يريه امرؤ عملاً واحداً من نتاج الخيال تجتمع له
كل شروط الجمال هذه، ثم يكون عملاً ضاراً. إن الجمال بوصفه الوظيفة التي يبدأ بها
الفن وينتهي إليها، هو في حد ذاته قوة ترفع الإنسان فوق ذاته وتؤكِّدها، ويتم به
الكشف عن واقعية الأشياء، وليس إضافته زينة إليها[18].
6-القطيعة مع الواقع[19]: هذا الجمال هو ما استولى على الفكرة النظرية للشعر عند شعراء
المذهب الرمزي، فكان لدى (رامبو 1854-1891) و(مالاراميه 1842-1898) و(بول فارلين
1844-1896) في التأكيد المتصل على قطع الصلة بين الشعر وبين الواقع بأشيائه
وموضوعاته وأفكاره. وغدا الإيحاء لا التصريح هو الهدف من الأدب، وليس للشعر عندهم هدف
سواه، هدف يذهب في اتجاه القطيعة مع الأفكار الواضحة، بقدر القطيعة مع الواقع، ومقولتهم
الشائعة في هذا المعنى (لا تصف شيئاً ولا تسم شيئاً). فمعنى القصيدة هو ما يكتنهه
القارئ حتى لو لم يخطر هذا المعنى على بال الشاعر، وفي هذا الصدد يقول (بول فارلين):
(إن معنى قصيدتي هو ذلك الذي يعطيه لها القارئ).
إنها نظرة إلى الشعر تجعله يقول ما لا
يقال وإلى الوصول إلى المجهول، ولذلك فإن على الشاعر أن يفجِّر العالم بالمخيلة
الطاغية والمستبدة، وأن ينفصل عن ذاته الواقعية، فلا يكون شعره تعبيراً عن ذاته أو
تسجيلاً لتجاربه، وأن يخلط بين الحواس، ويوحِّد بين الأشياء التي ليس من طبيعتها
أن تتحد في الواقع بحيث ينشأ من ذلك تكوين غير واقعي، ويستخدم الكلمات استخداماً
جديداً، ويخلق صوره ورموزه واستعاراته بشكل ذاتي. وعلى أيديهم ويد (بودلير) تعزَّز
موقع قصيدة النثر، أي الشعر الذي لا يتقيد فيه الشاعر بوزن بل يخلق في كل قصيدة
إيقاعاً خاصاً.
المعادل
الموضوعي:
ليس
الشعر تعبيرا
عن المشاعر والعواطف والانفعالات والذات أو الشخصية ، بل هروب منها جميعا. لأن الشعر
خلق. من هنا يقدم (إليوت) مفاهيم جديدة لما اصطلح عليه بـ(الفن الموضوعي) ومن ثم (النقد
الموضوعي)، فالشاعر عنده لا يبحث عن انفعالات جديدة، إنما يستعمل الانفعالات الموجودة بالفعل، ليخرج منها
إحساسات ليست في
الانفعال
العادي. وعلى الشاعر ألا يعبر عن انفعاله، بل يتخلص منه ويجد معادلا موضوعيا له يساويه ويوازيه، مستعينا
بعقله، الذي يقوم بدور الوسيط الذي يحول العواطف والأفكار والتجارب إلى مركب جديد
مختلف تماما عن الأصل، بينما يبقى عقله هو هو، يفصل بينه وبين ذاته، وكأن له
شخصيتين واحدة تنفعل، وأخرى
تخلق.
ولا يبلغ درجة النضج في الخلق الفني إلا إذا ازداد انفصاله عن ذاته المنفعلة[20].
وبذلك
يكون النقد موضوعيا،
ويسميه
(النقد الموضوعي)، فالشعر خلق جديد له قوانينه الخاصة وحقائقه، ينبغي أن ألا يقرأ من
خارجه، بل لابد أن تستمد مقاييس نقده من
داخله، تخص القوانين اللغوية والجمالية. لأن قيمة الأثر ليست بمشاعر ذاتية أو تجارب
شخصية، بل بما يتضمنه الأثر من قدرات فنية. ويعتمد النقاد في ذلك التحليل
والمقارنة؛ تحليل القصيدة من جهة
التشكيل اللغوي، بتبيان الاتساق والهيئات والتراكيب والعلاقات، ومن جهة التشكيل الفني بتحليل
الدلالات والرموز. والمقارنة تتم بكشف أثر التقاليد الشعرية الموروثة في العمل
موضوع الدرس، وما أحدثه العمل من تأثير في تلك
التقاليد[21].
خلاصة المقولات: هكذا تصب هذه الخصائص المذهبية
الرمزية في نظرية الخلق من حيث إحالتها المفهوم الأدبي إلى بحث مستمر عن لغة جديدة
غير مكرَّرة ولا مقلَّدة. ولم تكن مقالة (برادلي) (الشعر للشعر) التي طبعت ضمن
كتابه (محاضرات أكسفورد في الشعر) عام (1901) إلا امتداداً للتأكيد على الجوهر
الشكلي. فهو يطالب بأن نفكر في القصيدة كما توجد فعلياً وبدون بحث عن قصد مؤلفها،
ومن ثم تختلف تجربتها الخيالية مع كل قارئ وفي كل وقت للقراءة. إنها تمتلك قيمة
جوهرية، وقيمتها هي ما يجعلها غاية في ذاتها. وقد يمتلك الشعر قيمة بديلة مثل إيصال المعلومات وترقيق العواطف
والشهرة للشاعر والحصول على المال... الخ، لكن هذه الفوائد لا يمكنها أن تحدِّد
فائدته الشعرية بوصفه إرضاء للتجربة الخيالية. أما مسألة الأخلاق والخير فقد رأى
أن علينا ألا نضع الشعر وخير الإنسان في تضاد، لأن الشعر نوع من خير الإنسان،
وينبغي ألا نحدد القيمة الجوهرية لهذا النوع من الخير بواسطة مرجعية مباشرة لآخر.
والأمر نفسه هو ما يبدو لدى (برادلي) في رؤيته لقيمة الشكل شعرياً، إنه يميز بين
الموضوع في الحياة الواقعية وبين الموضوع في الفن، ويقوده ذلك إلى التمييز بين
موضوع القصيدة وجوهرها، فالموضوع يمكن أن يحدَّد بمعزل عن القصيدة، وفي هذه الحالة
هو خارجها، وعندما يتَّحد بالشكل فإنه يصنع ما يسميه (الجوهر)، وإذا كان من الممكن
أن نعرف الموضوع من دون قراءة القصيدة نفسها، فإنه لا يمكن أن نعرف الجوهر إلا
بقراءة القصيدة. ونتيجة ذلك تعني أن الموضوع لا يصنع قيمة القصيدة.
تركيب:
لا
شك أن إغفال ممثلي نظرية التعبير الطابع البنائي أو التشكيلي هو الذي قادهم إلى
الطريق المسدود. وعندما تحول الاتجاه من مصدر التعبير إلى طريقة التعبير، أو ما
يسميه (جون ديوي) فعل التعبير، اقتربت نظرية الخلق من مركز دائرة الفن، وحامت حوله
بفعل التعبير من حيث هو عملية تشكيلية أو بنائية تنتج عنها تجربة عنها جديدة لم
يكن لها وجود قبل التعبير. وما جعل (ديوي) ينجح في مهمته هو تتبعه العملية
الجمالية من الحافز إلى التعبير، ودراسته فعل التعبير نفسه بكيفية لم يتباعد من
سار على دربه، مثل (إيردل جنكز) الذي يرى أن الفن يبدأ بالحافز الجمالي، والفن
ثمرة لهذا الحافز، عملية تدريجية تتمثل مراحلها في التذوق والتعبير والإبداع. تبدأ
بالفعل من أكثر المراحل بدائية وهلامية، ثم تعود واضحة بوصفها حالات الفعل التي
يتحقق بواسطتها الحافز الجمالي ويهتدي إلى غايته[22].
[13] -
صالح زياد: مقولات نظرية الخلقد. http://www.aljazirah.com.sa/culture/2012/13122012/fadaat17.htm
|
[13]- جابر عصفور: نظريات
معاصرة ص58-59
تعليقات
إرسال تعليق