التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكتابة على أنقاض الواقع، دراسة في رواية الشمعة والدهاليز للطاهر وطار

                                                                      الشريف حبيلة
                                                 قسم اللغة و الأدب العربي
                                                 جامعة منتوري- قسنطينة1

تتأسس الدراسة على مقاربة التفاعل الحاصل بين الواقع الاجتماعي، و بنية الخطاب الروائي خلال الأزمة، التي تعج بالأحداث المأساوية، والمواقف الدرامية، وكان أساس العملية الإجرائية السؤال الآتي:
كيف يحضر العنف كمرجع جمالي في النص الروائي، أو كيف ينبني النص وهو يتفاعل مع واقع العنف؟
ومن هنا كان الانشغال منصبا على الدلالة المولدة على أساس العلاقة بالواقع الحي المرتبط بالزمن المعيش، فالرواية الجزائرية معنية بهذا الزمن، وهي حتى عندما تستمد قصتها من واقع العنف، إنما تعيد صياغة الواقع، وتوظفه لتوليد دلالات الزمن ذاته، لذا يأتي المنهج السوسيونصي إطارا للقراءة، فرضته طبيعة الظاهرة المدروسة، وهي العنف.
وهكذا رصدت الدراسة العلاقة التي أنتجها العنف بين المكان والمجتمع الممثل في أفراده، بجميع مستوياتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية، وما نتج عن ذلك من ظواهر احتواها المكان، وافتعلها بالاشتراك مع العناصر الأخرى كالشخصيات، والزمان والجماعات البشرية المشاركة في إنتاج العنف، أو كانت ضحية له، وفي كل ذلك كشف لخصوصية المكان في ظرف طارئ أطره العنف.
وكذا اكتشاف شعور الذات بهذا الزمن، والبحث عن الأثر الذي تركه زمن العنف في الشخصيات، عن طريق سبر وعيها بزمنها؛ مع قراءة الدلالات الكامنة في ظل الزمن المتأزم في الحياة الاجتماعية، التي أعاد الخطاب الروائي صياغتها لغويا، وبذلك كشفت عن طريقة تعامل الإنسان الجزائري مع زمن لم يعهده قبلا، وكيف حاول تجاوزه، أوإعادة بنائه مرة أخرى خارج حدود العنف، وبعيدا عن مسبباته، تدفعه نظرة مستحدثة، ساهمت في إحداثها الظروف الاجتماعية المصاحبة لهذا الزمن، والمنتجة له، تؤطرها علاقات جدلية لا متناهية. كما تطرقت الدراسة لكيفية إدراك الذات لزمن العنف، والنظر في ظاهرة الوعي، وطريقة عمل بعض الملكات كالعقل والقلب والذاكرة، وما لكل ذلك من انعكاسات على اللغة والفكر والكتابة، فقد رأيت أن زمن العنف يمثل زاوية نظر أخرى تستحق أن ينظر إليها في إطار العمل الروائي، مما سمح بتحديد علاقة الإنسان الجزائري بمحيطه، وبنفسه، وطرق تعامله مع أهم عناصر هذه الأزمة، وهي الزمن والمكان والإنسان. وفي مرحلة أخرى كان الحديث التطرف، انطلاقا من الجماعة الدينية، ثم المتطرف، و أخيرا القاتل.
أولا- المكان والعنف:
الذي يهمنا في موضعنا هذا هو الفضاء المادي بأبعاده الهندسية، تحدده اللغة بما تتضمنه من علامات جغرافية؛ إنه المكان الروائي الذي تقدمه الحكاية إطارا لها، أي الفضاء الجغرافي، لأنه يعد العنصر الأكثر ارتباطا بالشخصيات من خلاله يتجلى البعد السوسيولوجي في مستواه اللساني؛ وهو الفضاء الروائي الذي تجري فيه الأحداث، وتتحرك فيه أيضا الشخصيات.
     يصير المكان كيانا اجتماعيا يمثل خلاصة تجارب الإنسان ومجتمعه، يحمل بعضا من سلوك ساكنيه ووعيهم ، لذا لم يبق في نظر الدارسين مجرد رقعة جغرافية فارغة، بل يمتلئ بالخبرة الإنسانية.
إن مكانا كهذا لا يمكن النظر إليه كبناء أجوف، وفراغ، إنما ننظر إليه على أنه نشاط إنساني متصل بالسلوك الإنساني، مثقل بعواطف، ومشاعر، ومواقف، وهموم، وانفعالات الذين أقاموا فيه، أو مروا به، إنه مستودع أسرارهم، إنه تاريخ الإنسان1. بل يصير كائنا حيا، يمارس حركته في النص الروائي رغم سكونيته التي وصفه بها النقد القديم، وألصقتها به الرواية الكلاسيكية، تنقله اللغة من مجرد خلفية إلى مستوى فني حيث تمنحه البعد الاجتماعي، فيعمل إلى جانب عناصر النص على تكوين هوية الكيان الاجتماعي، والثقافي، منطلقة من رؤية أيديولوجية شاملة تحوي قضايا متعددة ومتباينة2 <<ومن ثم تطغى جغرافية نص على جغرافية نص آخر، نتيجة طغيان رؤية فكرية على رؤية فكرية أخرى>>3 إذا لا تستقيم النظرة إلى المكان كعنصر جغرافي بمعزل عن النظرة الجدلية للبناء الاجتماعي عموما ضمن اللغة التي تحكي عنه، وعندها تكون الأمكنة الموزعة عبر النص نواة شخصيات متماسكة، ومسافة وحدة قياسها الكلمات، رواية لقضايا متجذرة في الذات الاجتماعية <<لأن الخصائص المادية المختلفة للزمان والمكان هي على تماس مع الحياة الاجتماعية في أوضاع مختلفة>>4.
ويحضر المكان في الرواية الجزائرية المعاصرة ملتبسا بكل التحولات التي طرأت عليه في الواقع المعيش، بعد الانقلاب الذي حدث في حياة الإنسان الجزائري، وغير يومياته؛ هذا المكان نقلته اللغة في شكله الجديد إلى مستوى الخطاب، فتخذ دلالات متنوعة، يستدعيها البناء الروائي، ويفرضها الواقع، الذي يعد الكاتب جزءا منه، من هنا كان المكان في الرواية يعيش، ويمارس أفعالا، ويعاني كما الشخصيات، شكل مساحة للقتل، يحصد فيها الموت أرواح الأبرياء، وفي الوقت نفسه مثل ملاذا يهرب إليه الناس من قهر العنف، وحلما للشخصية التي باتت تحلم بمكان آمن، منحته اللغة من الأبعاد ما جعله رمزا، ومجازا لأمكنة أخرى، لذا نقول أن المكان في النص الرواية، اتخذ صورا متعددة، لكنها تشترك في كونها محكومة بفعل العنف، حولها إلى فضاءات للموت والقهر، بعد ما سيطر عليها، ومارس أشكاله المتعددة ضد ساكنيها، تفضحه اللغة وهي تقدم هذه الأمكنة بعيون الراوي والشخصيات بكل أبعادها، ليصنع منها السرد مسرحا للرعب، تعانيه الشخصية على الدوام، وهي تبحث عن ملاذ، أو عن موت طبيعي.
1- البيت وفعل الموت:
يمثل البيت فضاء مكانيا هاما في حياة الإنسان، ومن ثم في النص الروائي، تعيد إنتاجه الكتابة وفق رؤية فكرية وجمالية، يتبناها الكاتب، ويحملها راويه، وإذا كان البيت في الواقع ملجأ للراحة والأمن والاطمئنان، فإنه كان كذلك، وإلى حقبة طويلة في النص الروائي، حافظ  الروائيون على صورته الرومانسية الآمنة الهادئة، والبريئة كمكان يحتضن ذكريات ساكنيه، يمثل رمزا لكل ما هو جميل وحميمي.
وقد أولت الرواية أهمية كبرى للبيت كعنصر جمالي، وحيز مؤطر للشخصية والحدث بالمفهوم السردي، فكان الخاتمة التي تنهي بها الشخصية يومها، لترتاح فيه، لكن مع اضطراب الواقع، واندلاع الفجائع التي ألمت بالمكان والإنسان الجزائري، تغيرت الرؤية لهذا الحيز الهندسي رمز الأمان، فلم يعد الحصن الحامي لأهله ومن هنا تتخذ البيوت << مدلولها المتسم بالقبح الباعث على الانقباض ليتعالق ضديا مع المنظر الخلفي الباعث على الانشراح>>5 التقطت الرواية تفاصيل هذا المكان، لتعيد بناءه مركزة على صورته الجديدة المحملة بالخوف والرعب والقتل.
هذا هو شكل البيت الجزائري في الواقع الجديد، وفي نص الشمعة والدهاليز، يعريه، ويقدمه الخطاب مكشوفا بكل تفاصيله، شكلته اللغة ببعده النفسي والاجتماعي المحكوم بنفسية الشخصية التي تسكنه وهي تحت سلطة الخوف من الموت.
يصبح البيت إذن بالنسبة للشخصية الروائية مكانا معرضا للعنف، تمارس ضده الوحشية، وعلى من يقطنه، يقدم النص مشاهد  لبيوت منتهكة، حيث يقتحمها أشخاص في الأغلب ملثمين، بحلول الليل تحت جنح الظلام لكسر اطمئنان البطل، واختراق حميمياته، فيجد نفسه محاصرا بالموت، حيث يفاجأ  بكسر نوافذ بيته، وبابه ليجد نفسه أمام سبعة أشخاص ملثمين، يعلنون محاكمته، تنتهي بقتله << لم يكن قد انتهى من ارتداء جبته بعد خروجه من الحمام، وينتهي من التساؤل حتى كانوا قد دخلوا.
كسروا، الباب، حطموه، ودخلوا.
كانوا سبعة ملثمين، فلا يبدو من وجوههم إلا أعينهم في أياديهم رشاشات، وفي أحزمتهم سيوف.
دفعوه إلى غرفة النوم، وأمروه بالوقوف، وجلسوا هم، وأعلنوا بصوت واحد محكمة>>6.
وإذا نظرنا إلى العنف المسلط على البيت وجدناه ممثلا في فعل الاقتحام المصحوب بكسر النوافذ والأبواب، يقوم به أشخاص ملثمون، يضيف المقطع أداة الترهيب، والقتل وهي الأسلحة مما يخلق الهلع في قلب أهل البيت، والملفت للنظر هو أن فعل الاقتحام ينتهي دوما بالقتل، كون العنف لا يقف عند حدود الاقتحام، هدفه يتجاوز ذلك إلى سلب الآخر حياته.
يتعرض البيت في النص إلى الاغتصاب من أجل فعل القتل على يد أناس مجهولي الهوية، فقط ملثمين، يحولون المكان إلى فضاء للرعب، فتشعر الشخصية أنها تعيش في بيت لا يعصمها من الرعب بفعل القتل، يجعلها مكشوفة أمام العنف، هنا تفتقد علاقة الألفة الإنسانية بالبيت، رمز الأمن والحماية، يتحول إلى مكان مستباح جراء الاقتحام، فلا الأبواب الحديدية، ولا النوافذ المسيجة تصد الملثمين أصحاب الأحذية الثقيلة.      
والهدف السياسي هو الذي يقف خلف اقتحام البيوت، هو الذي يدفع إلى القتل، ليعيد صياغة، وتشكيل البيت أولا كمكان روائي له وظيفته الفنية، تتمثل في تأطير الحدث ضمن حيز ضيق مغلق، ومن جهة يسلبه وظيفته الرتيبة، ويمنحه وظيفة جديدة من حيث تغير الحدث الذي يجري فيه وهو القتل، مما يجعل البيت مكانا للموت قتلا، هذه القوقعة المتينة التي تحفظ الإنسان من كل خطر، يتهددها العنف، يتم اختراقها بالقوة ثم ترهيب أهلها تدميرا للذات البشرية.
لا تقف وظيفة البيت في صورته المعدلة بفعل العنف عند هذا الحد، بل تتعدى إلى عناصر الرواية الأخرى وفق العلاقات التي ينسجها السرد فيما بينها، وكذلك الأبعاد المضافة للبيت كمكان بفعل تكثيف الدلالات المنتجة من طرف فعل قوي، ومؤثر يعمل على إعادة صياغة الوضع داخل هذا الحيز المنغلق على أهله، والذين هم في الأساس موضوع القائم بالفعل (الفاعل)، يطلبهم لتنفيذ مشروعه المتمثل في القتل، إضافة إلى ضحايا آخرين، لم يشكلوا موضوعا مباشرا، لكنهم تأثروا نفسيا، وكانوا شهودا على الفعل الجيران.
وتحت وطأة العنف المسلط على البيت تبحث الشخصيات عن وسائل تقيها شر المقتحمين، فتلجأ إلى تحصين بيوتها بمضاعفة الأقفال على الأبواب، وتسييج النوافذ، واستبدال الأبواب الخشبية بأخرى حديدية،
تأتي الأبواب في سياق العنف المتزايد ضد البيت، كأهم مكون لهذا المكان، حتى أنه يختزل في باب ونافذة، لأن فعل الاقتحام الحامل للعنف يتخذ من هذين المكونين منفذا له يعبر منهما إلى الداخل، لذا اهتمت به الشخصية، يخبرنا الراوي بالفكرة ذاتها ضمن السرد، وهو يرصد حركة البطل <<صعد الدرجة، تطاول، يدير المفتاح في القفل الأعلى، نزل، وأدخل المفتاح في القفل الأوسط، ثم انحنى وعالج السفلي>>7 يسيطر الفعل على الجمل موجه إلى الأقفال الموجودة على الباب، والقفل علامة تدل على الانغلاق، وعندما يكون بهذا العدد فذلك يعني زيادة في الانغلاق، وهنا تنتج اللغة دلالات تخص المكان والشخصية القاطنة به، فإغلاق المكان هو تحصينه من خطر متربص، تقوم  الشخصية بذلك خوفها من التعدي عليها بالقتل.
لقد كان بإمكان الراوي الاكتفاء بالقول (فتح الباب)، لكنه أعطى لحركة البطل مساحة أوسع داخل السرد، إذ تتوالى الأفعال وهي تنتقل من قفل إلى آخر من أجل تعميق الدلالات المعنية بإبراز الشعور بالخوف عند الشخصية، وفي مستوى آخر توحي بفعل غائب لكنه يضغط بقوة، هو سبب أفعال البطل، ومنتجها إنه العنف المسلط على البيت.
إن البنية اللغوية، وما تحمله من دلالات نفسية، تظهر رغبة قوية وعميقة في التخفي خلف تلك الأبواب المحصنة علها تعيد للإنسان حقه في الحياة آمنا مطمئنا، غير أن (الأقفال ، والأبواب الحديدية، والنوافذ المسيجة) لم تعد كافية، إنها تتهاوى ليدخل منها الموت على أيدي الملثمين، ولا يمكن لمثل هذه الصورة أن تتحقق إلا في ضوء العنف في أعتى أشكاله، وهو الإرهاب، لا يعترف للآخر بحقه في الحياة ضمن قوقعته الخاصة. 
بل تجعل الإنسان مجرد طريدة يلاحقها وحش ضار من مكان إلى آخر ، لأن الحذر والخوف والاحتراس والرهبة ترافقه أينما نزل، وهنا يتجلى الشعور بعمق المأساة التي يعيشها الإنسان في أماكن كان من المفترض أن تكون أكثر أمنا، إن عملية اقتحام الذات عن طريق اقتحام مكانها قوقعتها، ثم ممارسة العنف عليها حتى القتل، وسلبها الإحساس بالأمن، قد نتج عنه حالة من الاضطراب، فالبيت الآمن والحامي لم يعد كذلك .
تلك هي الصورة الجديدة  للبيت في رواية "الشمعة والدهاليز، إنها صورة تموقع نفسها في مستوى اللغة التي تنتج لنا صورا تولد بدورها دلالات متعددة لمكان واحد بات يسكنه الموت، ورغم أنه حيز لا وجود له إلا في اللغة، فإنه غير بعيد عن صورته الواقعية المعاشة في زمن العنف.
2- الشارع من القهر إلى الموت:
تحول الشارع بفعل العنف من مكان حركة وتنقل لمزاولة الحياة، إلى مكان للقهر والموت، استطاعت الرواية ، نقل هذه الصورة عن الشارع الجزائري وهي تسجل تفاصيل المأساة، تحاول الإمساك بخيوطه المتفرعة والمتشابكة التي كانت وسطا مناسبا لاحتضان العنف المتنقل في الطرقات، لينضاف الشارع ساحة أخرى للعنف الذي لا يكتفي بمكان واحد.
إن الرواية لا تحفل بهندسية أو بجغرافية الشارع، إنما تلتقط منه ما يعزز صورة العنف والقهر في مكان مفتوح، لذا لا يحضر الشارع كمكان هندسي يقف عنده الراوي أو الشخصية، يصف تفاصيله وأجزاءه المتفرعة، بل يقدمه من منظور نفسي متأثر بأحداث تلك الحقبة، ونتيجة لوعي الشخصية به من خلال تعاطيها معه، فلا نعثر على ذاك الشارع الذي قرأناه في الرواية الواقعية بطرقه ومحلاته وعماراته، إنه شارع يختزل في كلمة واحدة ذات دلالات نفسية، أوعبارة موجزة تنقله إلى مستوى الرمز.
وتقوم اللغة علامات تؤدي دورا دلاليا موجه، يريد تبليغ رسالة محملة بالقهر الاجتماعي الذي يعانيه هؤلاء من خلال وصف الشارع، لأن <<النص الأدبي نظام إشاري دال، وهو بناء لغوي و اللغة فيه متكلمة عن ذاتها ومتكلمة عن الأشياء خارجها وفق الصورة التي ترى بها الأشياء>>8، لذا نقول أن الرواية تقدم وجهة نظر تحتج بقوة الكلمات على هكذا وضع، وتصرخ في وجه القهر المسلط على الفئات المستضعفة.
إذن تؤكد القيم الدلالية البارزة في النص على شعبية الشوارع، التي هي شوارع مهملة يسكنها البسطاء من عامة الناس المهمشين، في المقابل ينصرف جل الاهتمام إلى شوارع الأثرياء مالا وسلطة، تتجلى أهميتها لا في صفاتها، إنما في أبعادها الدلالية، الاجتماعية والسياسية، شكلت سببا رئيسا في دفع الشارع الشعبي للتمرد من جهة، وليكون حاضنا لمختلف أشكال العنف من جهة ثانية، وفي الوقت نفسه يمثل عاملا مهما يجع من العنف بنية ضمن بنية أكبر منها، تمكن القارئ من فهم الظاهرة، وإدراك وعي الشخصية والراوي أو الكاتب الكامن خلفها. لأن <<إشكالية الإنسان في المكان إشكالية وعي الذات بوجودها وإمكاناتها وحقوقها، وهي مشكلة وجودية، تبدو إشكالية مضاعفة ومركبة في حال المبدع>>9 الذي يعيد إنتاجها بوعي آخر يتعاطى مع وعي تلك الذات بمكانها، والمكان في الوقت ذاته.
ويأخذ الشارع بعدا دلاليا للتمزق الداخلي موحيا بما تعانيه الروح من ألم وحسرة جراء البؤس والتهميش الذي تعيشه الشخصية، يعبر عن النزيف الاجتماعي، الذي يكون تغييره مستحيلا، و الناس يعرفون ألا أمل في إصلاحه. في وفي (الشمعة والدهاليز) يعيش الشارع والمتظاهرون هذا الوضع، لا يكتفي الراوي بوصف المشهد فقط، بل يدخل في حوار مع المنظمين يحاول معرفة هؤلاء قبل أن يعلن موقفا، يخرج بطل الرواية الشاعر باحثا عن مصدر الهتافات التي كانت <<تتعالى، آتية من بعيد وقدر أنها تنتشر في أماكن كثيرة، ليس في موضع واحد، ربما من هنا من الحراش وعلى مسافة أثني عشر كيلومتر، من وسط المدينة حتى طرفها الآخر.
إن الزغاريد المنبعثة من النوافذ والسطوح بدأت تأخذ حيزها ضمن الهدير الأعظم ذي الإيقاع الترتيلي.
المسألة فيها فرح، أو فيها موت إذن، لكن ليس هناك أصوات الرشاشات والمدافع، وما شابهها، فرح عظيم ما، ما في ذلك ريب، قال في نفسه، وراح يحاول أن يستحضر عبارات اللحن، كما كانت تتردد لأول مرة... لا إله إلا الله محمد رسول الله عليها نحيا و عليها نموت و عليها نلقى الله>>10، يدل الهتاف على أن الجماعة من تيار يجمعها بالناس الانسجام والاتفاق كجماعة واحدة تحتج على وضعها (الزغاريد المنطلقة من النوافذ)، ويظهر الراوي تعاون الجميع في الاحتجاج المعلن في شكل مسيرات، بل إن البعض يضرب رجال التدخل السريع من النوافذ مؤازرة لمن في الشارع. وتجمع الأسباب: الفقر، الظلم، غياب العدل، التهميش... لتأذن ببداية مرحلة دامية يشهدها الشارع.
إذن هناك مواجهات بين السلطة والشارع بغض النظر عن انتمائه السياسي أو الأيديولوجي، وهو مؤشر واضح على حال الضياع والتذمر والمعاناة الشديدة من كل شيء، حيث يموت الشارع الهادئ ، ويستيقظ شارع ثائر، تواجهه السلطة بأجهزتها الردعية المتمثلة في الشرطة <<التي تقذفهم بقنابل الغاز المسيل للدموع>>11، هنا يترصد الموت الإنسان الباحث عن أمان مفقود .
هذا هو الشارع، وهو مكان له أبعاده الاجتماعية والاقتصادية التي توحي بأبعاد سياسية، تسمو به إلى مقام العلامة، فينشأ عن ائتلافها نص اجتماعي يدل على القهر الذي يعيشه الحي الشعبي، نقرأ فيه تهميشا لمجموعة كبيرة من البشر، وبما أن هذه الصور ليست من نسج الخيال، بل ملتقطة من واقع حقيقي يعيش المأساة، لأن الرواية <<لا يمكن أن تكون خاوية ومهمشة، ومفرغة من أهدافها السامية، ومن خلفياتها الفكرية والحضارية والتاريخية والسياسية والاجتماعية..>>12، قهر أنتج عنفا أدى إلى حرب كان ضحيتها الإنسان الجزائري في كلا طرفي الصراع، غيرت الشارع وأخذت منه ملامحه  وقيمه الأصيلة وحولت وظيفته التي وجد لها إلى وظيفة هي ضد هويته كمكان.
3-   المدينة وفعل التدمير:
أحب أن أبدأ الحديث هنا بكلام قدمت به (يمنى العيد) الفصل الثاني من كتابها (الكتابة: تحول في التحول) المعنون بـ (خراب المدينة ـ حداثة الكتابة)، تقول: <<ما نسميه بنيانا مدنيا وحضاريا يخص الآلة والعمارة والتسويق ومراكز المال والتصنيع، ويدخل في مجال تحديث المجتمع ودعم مركزيته، كان يتهدم، أو ينفرط وما نسميه حداثة تخص التعبير والفكر والكتابة والإبداع والقيم، وتدخل في مجال البنية الثقافية التي كانت تتشكل، أو تحاول تشكلا نوعيا، هو، في سياق استمراريته، ارتباك وتصدع وصراع يعاند اختلافه، ولكنه انبناء وحضور في مادة كتابية... وبفعل هذه المفارقة بين الواقعي والكتابي، كانت الهوة تبدو واسعة، لا على خلفية التمايز، بل على خلفية الفراغ بين المجالين:
-   فالبنيان التحديثي وكل ما ينسب إلى المدينة التحتية يتهدم.
- والثقافي يصارع تحوله، ينبني قوله فوق خراب واقعه المادي.
وفي المجمل فإنه يمكن القول إن حاضرا زمنيا يغيب مخليا مكانه لصورة تحاول أن ترتسم>>13.
وهي الصورة ذاتها التي تطالعنا بها الرواية التي بين أيدينا، تقدم مدينة لا كما هي في التعريف النظري، تحمل في نسيجها العمراني خطابا يدعو من جهة الحواس و المشاعر الإنسانية ليدل على طبيعة الأشياء والموجودات، يخفي خطابا آخر يتوجه إلى الخيال والعقل والذاكرة والقلب، ويكون إدراك المدينة في مستويين، مستوى مادي، ومستوى قيمي أخلاقي مجرد، لنقف على مدينة تعاني الاختناق رغم انفتاحها، جراء الوضع الاجتماعي القاتل، الذي قاد الأشياء لتحتل المرتبة الأولى في سلم القيم، مما جعل المرء ينفق ذاته من أجلها، وتتحول بدورها إلى سجن تنغلق على أهلها، تتقهقر فيها إنسانية الإنسان، فتحدث القطيعة بينه وبينها. 
في مكان كهذا لا يملك الإنسان سوى أن يتبلد ويركن إلى السبات، أويتمرد، معيدا ترتيب المكان بطريقة، تنبع من وجهة نظر ما، تؤسسها عقيدته و أيديولوجيته، وكلا الأمرين يؤديان إلى تدمير المدينة، ونسف الإنسان في المستوى المادي، وتأتي الرواية، فتبني خطابها الفني فوق ركام المكان الذي تركه الدمار، أي تبني بالكلمات الخراب الذي حل بالمكان.
وتحتل المدينة مساحة واسعة في الرواية، وكأنها النسيج الجغرافي الوحيد لما تقدمه من تجربة واقعية حية، إلى جانب الجمالية التي توفرها، والتيمات التي احتشدت في تلك الفترة، بالإضافة إلى الروائي المسكون بالحياة الثقافية والسياسية الجزائرية في فترة معقدة من تاريخ العلاقة بين الأعراف السياسية في تسعينيات القرن العشرين. إذ تنقل كثافة حضور المدينة المكان إلى مستوى الوعي، وتجرده  من ماديته الجغرافية أوالهندسية، تحمله اللغة، فيها تبرز وجهة نظر الكاتب للعالم، كما تبني بنية دلالية يكشف عنها النص، لذا فإن المدينة كحاضن لما هو يومي يعرضها السرد مخاطبا تجربة القارئ وخبرته بالمكان المعيش، هذه المدينة التي وإن كانت من تشكيل وعي المؤلف إنما أسست كلغة على ما هو مرجعي، أي المدينة التي ترتادها الشخصية في ذهابها وإيابها الدوري، انطلاقا من الشارع الذي تقطنه، والدكان الذي تعبر من أمامه، والمقهى الذي تقضي فيه بعض الوقت، وعتبة المنزل التي تخطوها، مشهد تحكيه خيزران في (الشمعة والدهاليز)، لأمها <<تعبت يا يمه تعبت، كل يوم أقول اليوم أنهي المسألة لكن عندما أهبط المدينة أجد الحياة فيها، قطعة كبيرة من الحديد أو من الإسمنت القوي، لا منفذ لها إطلاقا>>14تتكون المدينة في المقطع من مجموع تفاصيل الحياة اليومية للشخصيات بعيدا عن الوصف الهندسي، يتم التركيز على الفعل (كل يوم، أقول اليوم أنهي المسألة)، وهو فعل لا يصنع الحدث، ولا يشكل المكان، بل المكان/المدينة هي التي تصنعه تتحكم في حركته وطبيعته، ومن ثم تتحكم في حياة الشخصية ضمن حيز جغرافي يسمى المدينة (أجد الحياة فيها قطعة كبيرة من حديد أو من الإسمنت القوي) ينبع الانسداد من الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدهور للمدينة التي مثلت حلما يأتيها الناس من أجل تحسين وضعهم، فـتبرز إليهم باعتبارها <<مركزا للاستغلال والبؤس، وكذلك الظلم الاجتماعي والمكائد السياسية>>15.
لم يعد واقع المدينة مفهوما بسبب تعقيده، أصبح التعبير عنه إشكاليا، لا يقدم جغرافيا لمكان حضاري، يصدم القارئ ، ويكسر أفق انتظاره، يحول يوميات الإنسان إلى إشكال يخص وجوده داخل المدينة، يعبر عنه الشاعر وهو ينظر إلى العاصمة عبر زجاج القطار <<ظل يطل من النافذة، وظلت تملأ بصره، لا يرى قطارات تسير في الاتجاه المعاكس، ولا مقطورات متوقفة، هنا وهناك، ولا دور بلكور المهدمة في انتظار أن تقيم فيها الشركات المتعددة الجنسيات فنادق وبنايات خدمات، بدل مقر رئاسة الجمهورية، كما كانت رغبة مولى الرغبات الأول، لو لا نصيحة ناصح بأن الخزينة خاوية، وأزمة السكن خانقة، ولا يصح يا صاحب الصح... ولا المباني الأرضية وقطع الأرض المهملة، بدءا من العناصر مرورا بحسين داي، حتى الحراش، والتي كان كعالم اجتماع يعلق عنها كل ما عبر الطريق وكثيرا ما يعبره، غاديا رائحا بهذا الرأي أو ذاك حسب المزاج>>16.
هكذا يعلق البطل يوميا في رحلته من البيت إلى مكان العمل، تمنحه حركة القطار عبر هذا الخط رؤية جانب من المدينة، يلتقط مشاهِدا ذات دلالات اجتماعية وسياسية واقتصادية  ( الشركات المتعددة الجنسيات، فنادق، بنيات خدمات، رغبة مولى الرغبات الأول، نصيحة ناصح، الخزينة خاوية، أزمة السكن...)، تتوالى هذه البنيات اللسانية لتشكل صورة لمدينة هي الوطن، تعري وضعا كان سببا في الانسداد الذي جعل من الحياة في المدينة قطعة حديد لم تجد لها خيزران منفذا.
على نحو يكون للراوي منطق التاريخ والفعل الوجداني، يتيح له البحث لنفسه عن منطق ما أو حيلة ما يعيد بها المدينة إلى زمنها الطبيعي وأزياءها التاريخية؛ في المقابل يكون للمدينة منطق الفعل القوي المادي البادي في مظاهرها في عاداتها، في لباسها، في شوارعها، وجدرانها، فالراوي ينشد الماضي مستغلا الصورة القديمة، بينما تسرع هي نحو المستقبل، تدعي فهما للحاضر على أنه امتداد للماضي ليس ماضي الراوي، بل ما اعتبره هو مستورد، وهنا نكون إزاء تعدد وجهات النظر وتباينها حد التناقض، لكنها لا ترقى إلى مستوى الصراع لأن الراوي لا يجرؤ على المواجهة، كما يفعل شاعر (الطاهر والطار)، لذا شعر بالاغتراب، ورأى نفسه غريبا في مدينة لم تبق مدينته، إلى درجة تصعب مصالحتها.
هكذا هي المدينة تقضي على الشخصية بالوحشة، وتضعها موضع الحرج والضيق، تدفعها إلى الفعل السلبي المنهك، تباشره وهي تدرك عبثية ما تقوم به، يصل بها إلى طريق مسدود،
نهاية تعلن موت المكان والفضاء الاجتماعي، والذاتي، وبالتالي يموت في الإنسان بعده الاجتماعي، وبعده الذاتي، فتتقلص حياته، وتنحصر في الوظائف البيولوجية كالنوم و الطعام، وما بقي من حركة، فإنها مجنونة مضطربة مجانية، لا تستغل الوقت، بل تسير في الفراغ،  لا فسحة لها، يشعر صاحبها بالاختناق،
وينخرط شاعر (الشمعة والدهاليز) في جموع الجماهير، يحاور أمير بعض المتظاهرين في قضايا المدينة، وشكلها، و بنيتها الفكرية، والثقافية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، يعرض بشجاعة وقناعة تصوره عن الدولة، ويسمع للآخر، و يؤثر فيه، وحتى حينما يقتحمون عليه بيته يواجههم، و يناقشهم رادا تهمهم حتى أنه يربكهم بآرائه، إلى أن يقتل، ويكون بذلك شهيد المدينة، تشيع  جنازته كل المدينة باختلاف أطيافها الاجتماعية والسياسية.
وتعري الرواية أسباب ودوافع تدمير المدينة، من خلال لغة تعددت فيها الأصوات، إذ انفتح النص على أصوات متناقضة ومتصارعة زادت في جمالية النص، وأثرته بأديولوجيات متباينة استطاعت أن تلامس فعل العنف في مختلف أبعاده.
لا تعني المدينة هندسيتها وجغرافيتها، فقد سبق وأن قلنا أنها تتشكل في اللغة وفق الصورة التي يقدمها الوعي، وعي الكاتب الذي يتأسس على ما ترسب في الذاكرة من هذه المدينة، لذا فحضورها بهذه الكثافة هو تكثيف للذاكرة من أجل التواصل مع الماضي أو القبض عليه، لكنه ماض يختلف باختلاف وجهات النظر، ومن ثم فإلغاؤها هو إلغاء لبعض الذاكرة ولجزء من التاريخ؛ تدمير المدينة إذا يمس بوحدة الزمن في مساره، يؤلم الذات ويجرحها في العمق، وهو محاولة لتشويه المكان، والزمن الماضي والحاضر والمستقبل.
تصبح المبادرة في يد من يصنعون العنف باختلافات عاداتهم السياسية، والأديدولوجية، والثقافية, والاجتماعية، ليصبح العنف هو الزمن الصاعد على جسد المدينة المتهاوي والمتهالك، تتقدم أطروحة العنف قاسية، وهي تدرك المدينة في الواقع، ثم في وعي الكاتب تتجسد أخيرا في الكتابة، فالعنف هو الذي يبني على أنقاض المدينة مدينته الجديدة، يتقدم  بصفته قدرا شرسا ليس بإمكان المكان الفكاك منه، لأنه أولا وأخيرا هو صانعه، وما عليه سوى الاستسلام.
لقد مثلت المدينة مكانا تصدم فيه الذات بظاهرة لم تعهدها بهذه القسوة، إنها ظاهرة العنف، تتحقق علاقتها بالمدينة مكانها الانتقالي في إطار التخييل، لكنه على علاقة وثيقة بالواقع بما أنه هو مؤسسه، ومشكله عبر وعي الكاتب وفق رؤية للعالم تحكمها الأيديولوجيا بامتياز، حيث تكون المدينة مشكلة من كلمات تنتج بنية دلالية تقدم نمطا لمدينة تعيش تحت سلطة العنف، وتعاني من الدمار.
يدفع هذا الواقع المر الذي تعيشه المدينة الشخصيات إلى الحلم بمدينة أخرى توفر لها الأمن والاستقرار، تختلف باختلاف الوعي الممكن للحالمين بها، بدل أن تحمي مدينتها وتوفر هي الأمن والاستقرار للمكان.
4-   الوطن المغيب:
من الأمكنة التي مثلت هاجسا حقيقيا للروائي، واحتج على تدميرها، الوطن بما يحمل من دلالات الانتماء والهوية، هوية الكاتب، هوية الشخصيات؛ قدمته الكتابة وسط واقع يناقض المفهوم النظري للوطن أو ما يجب أن يكون عليه، وطنا تنعدم فيه الحرية، وطنا يقضي على النظام بالفوضى والتشويه، ينتهك حرمة القانون مكرسا سلطة القوة وعنفها، ينتزع من الإنسان إنسانيته، ويطلق العنان للعدوانية الحيوانية الكامنة فيه، يجد بشكله الجديد مجالا خصبا في غياب الدولة، إنه <<اللادولة واللاوطن وهو حق القوة، لا قوة الحق>>17
تقدم الرواية إذن وطنا، هو الوطن الحقيقي المعاش الفعلي، يتمثل في النص من خلال اللغة المباشرة الماثلة في لفظتي ( البلاد، الوطن) تارة، ومن خلال رمزية بعض الأمكنة، كـ( القرية، المدينة) تارة أخرى. ويمثل في حضوره حقيقة ما حدث في هذه الفترة الزمنية، المأساة التي صنعتها أطراف عديدة متشابكة، أشارت إليها الرواية مباشرة دون إيحاء، أوترميز، بل وضعت عليها اليد متهمة إياها. وهو مكان لا حدود له، ولا جغرافيا، إنما جعلته الكتابة قيمة وجدانية، وفكرة يشكلها الوعي، تعويضا عن المكان المادي المنتهك بسبب العنف المتزايد، يتحول إلى  سجن ومنفى؛ ومع ذلك يبقى في القلب، في العقل، في الذاكرة، يحضر على امتداد النص حضورا عنيفا مهددا، ومهدِّدا، تقدمه الكتابة مستوحشا بالاضطهاد، والقهر، والقتل من خلال التجربة الفردية والجماعية، وهو أمر يخص مكانا يتحكم فيه العنف بمختلف أشكاله ومصادره، تواجهه الرواية لتنقله إلى مستوى النص، وتكون شاهدا عليه.
تتوزع حكاية الوطن على مساحة الرواية في زمن العنف، عندما اختل سلم القيم والمفاهيم العقدية، والسياسية، والأيديولوجية، إضافة إلى مسألة الهوية، مما أدخل الوطن في متاهة القتل، فاندثر معنىاه، واستبدل بالحزب، والعرق، والجهة، عوامل تسلب الوطن دوره، وتفكك وحدة الانتماء، ويطغى سلطان المال، ويتقهقر الفرد، وينكمش على ذاته، بعد أن فقد حريته، وأمنه وسط فضاء اجتماعي قاهر صنعته الفوضى. وبذلك يغيب مفهوم الوطن الواحد الذي يحتوي الجميع لينخرط في وضع جديد ساعدت عليه الظروف السابقة، فلم ينتبه إلى ما يعيش عليه من متناقضات مافتئت تنمو، وتتضخم، وتتعدد، حتى أدت إلى المواجهات المسلحة، والاغتيالات، والرصاص الطائش الذي يقتل الناس في الطريق. ويتمزق الوطن، وتتقاسمه المجموعات المتصارعة، فتشعر الشخصيات أنها تعيش في وطن غير الذي كانت تعرفه قبلا.
 لم تعد خصائص المكان  متفقة مع معنى الوطن، فقد ألم به الدمار والعنف، فأصبح عالما ضيقا ومخنوقا، وينقطع عن أداء أهم وظائفه كوطن،  فقد قيمته المرجعية من حيث هو عنوان انتماء لا تتولاها الجماعة أو الجهة أوالحزب. ومن الواضح أن النص لا يبني هذه التجليات لظاهرة العنف من خيال كاتبه، إنما يستعيرها من الواقع المادي الذي هو مرجعه، تنقلها اللغة إلى مستوى الفني (النص الروائي)، فيصبح المرجعي هو منتج النص << يتخذ شكل الرموز واللغة في هذه الحالة ليست سوى وسيلة لصنع هذه الرموز التي يلتحم بعضها مع بعض لتكون مناظر وحركات وشخوص وتجارب أي أنها أشبه بزجاج شفاف يرى القارئ من خلاله حياته متشابكة مع حياة الناس وأحوالهم>>18.
تضعنا الكتابة الروائية أمام وطن رغم كبر مساحته يبدو مغلقا، يحده الموت بفعل القتل من جميع الجهات، يتحول إلى قطعة من جحيم حقيقية، يلقي عليه الهاجس الأمني ظلاله، تبنى العلاقات بين أفراده على النفور والتناقض والعداء، فيتعسكر المكان ليتسنى للسلطة إنتاج وطن جديد، في المقابل تعمل الجهات الأخرى على صياغة جديدة للوطن بأدوات مغايرة، لكنها تشترك في أنها عنيفة مداها هو القتل. والكل يسعى إلى إعادة بناء هذا المكان اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وحتى رمزيا، وبما أن أدوات الجميع عسكرية، وإن ادعى البعض الدبلوماسية والعمل السياسي، فإن الكل يرى في الآخر عدوا وجب استئصاله، ومن ثم لا يتوقف العنف، ليسيطر الموت على الوطن.
إلى هذا المآل الحزين والمأساوي وصل الوطن، تجزأ أحزابا، وجهات، فقد مركزيته وسلطته وأمنه، وتحول إلى رقعة يحكمها العنف والفوضى، وتوارى مفهوم الوطن، وكنتيجة حتمية انحطاط حياة الفرد وانزوائه منعزلا، يفتقد الشعور بالانتماء إلى الجغرافيا التي هي الوطن بكل أبعاده السياسية والثقافية والعقدية، واللغوية، والتاريخية، نتيجة طبيعة العلاقات التي أرهصت بالنهايات، وأشارت إلى تراكم الأسباب والدواعي التي تفاقمت، إلى أن أدت إلى انهيار الوطن قيمة، وكيانا، وهوية، وانتماء، أدخلته في دوامة العنف في أبشع صوره.
هكذا نصل إلى القول أن المكان مهما اختلفت هويته، وجغرافيته، وإن كانت محدودة يدل على الجزائر، البلد الذي يقتل فيه كل جميل، لذا اتخذ في الرواية دلالة الوطن حتى يؤدي الوظيفة التي أسندتها إليه الكتابة، وقد انحصرت تقريبا في ظاهرة العنف باعتبارها الحدث الأبرز في النص، كشفته واقعا قائما ليس فقط في مستوى اللغة إنما كان حقيقة واقعية فعليا أيضا، ينطبق ذلك على القرية والمدينة، التي جردها النص من اسمها، وأحاطها في المقابل بتوصيفات، وسمات توسع مداها الدلالي لتصير الوطن، الجزائر.
وكان توظيف الأمكنة في أشكال واضحة كما تمت دراستها، قد تم عبر وعي الراوي وخلفه بالطبع الكاتب أي وعي الكاتب بالمكان، حيث جرد من هندسيته وجغرافيته، وألبس لبوسات الإنسان بكل أبعاده، نفسية، ووجدانية، وفكرية، فكان تعبيرا عن وجهة نظره للعالم، تظهر من خلال دلالات الأمكنة، وهذا ما يجعل الروائي يوسع المكان تارة، فيوظف المدينة، وتارة يعمل على تضييقه، فيوظف الشارع، ويزيده ضيقا فيوظف البيت، والهدف من ذلك إظهار، وتعرية بشاعة العنف أمام القارئ، ومن ثم يكون المكان شكل من أشكال الأزمة العامة، يحتضن ما تنتجه.
إذن هي أمكنة شكلتها، وصاغتها ظاهرة العنف، أثرت عليها بقوتها التي لم يستطع الكاتب تجاوزها، إنما استوعبها تحت الصدمة، ونقلها عبر الوعي الآني إلى مستوى اللغة، فتجلت في بنيات لسانية، تشتغل علامات، ورموزا، ودلالات، كلها تخدم فكرة واحدة هي سيطرة العنف على المكان، لأن الأحداث كانت صاعقة دمرت المكان والإنسان، إذ أن تدمير الأمكنة هو تدمير للذات الإنسانية، لعاداتها، لتاريخها، لقيمها، لكيانها، فكان المكان المدمر دلالة على الخلل النفسي، والفكري، والعقدي الذي أصاب الإنسان في العمق.
خلل مثل هذا يفقد المكان الاستمرارية يعطل ديمومته، فحين يدمر المكان بهذه الوحشية، يعطل الإحساس بالزمن، الذي بدوره واقع تحت فعل العنف، وهنا نقول أن الرواية قدمت مكانا يعيش الكارثة بجميع مستوياتها اجتماعيا، وسياسيا، واقتصاديا، وأيديولوجيا، و عقديا.
والملفت للنظر أن المكان الذي احتل مساحة أكبر في المدونة باحتضانه فعل العنف، هو المدينة لارتباطها الوجداني بالإنسان خاصة الكتاب واعتبارها أيضا الأكثر عرضة للعنف ضحيته الأولى.
هذه التحولات التي حلت بالمكان بفعل قوة العنف تجاوزت أثارها لتطال الإنسان في العمق، فكان المثقف ضحية العنف الآخر الذي هو القتل.
ونسجل نقطة مهمة عبرت عن وضع  نفسي وصلت إليه الكتابة وخلفها الكاتب، وهي النهاية المتشائمة التي تخلص إليها الرواية، ذلك ما تكشفه اللغة وهي تشرف على وضع نقطة النهاية، وهذا في واقع الأمر تعبير عن أزمة أو ورطة إنسانية، وتمزق في الوجدان، أحدث اضطرابا فكريا لدى الجماعة عبر عنه الكاتب بلغة الرواية، وهي ميزة الرواية الجزائرية المعاصرة التي اتخذت الأزمة موضوعا لها.  
ثانيا- الشخصية وتفاعلها مع زمن العنف:
تعد الرواية فنا أدبيا، ونوعا من أنواع الحكي، الأكثر ارتباطا بالحياة والواقع البشري عامة، وبالتالي بالزمن، محورها الذي يشد كامل عناصرها، يأمل النقاد عن طريقها <<معرفة كيفية تعامل الرواية مع الخبرة الإنسانية وكيفية تفاعلها مع الزمن ودوره في التصميم لشخصياتها وبناء هيكلها وتشكيل مادتها وأحداثها>>19 فالكيفية التي بها يبني الروائي عنصر الزمن تشكل بنية النص، ومن ثم يعد بتمثيلاته عاملا أساسيا في الكتابة الروائية، السبب الذي جعل (سيزا قاسم) تجعله في صدارة اهتماماتها النقدية20.
ولما شكل الزمن هاجس الإنسان المعاصر فإن الرواية استجابت لهذه الهواجس، معبرة عن القلق الدائم، وما يعيشه الإنسان في خضم متغيرات الزمن وضغوطاته، ومن ثم فالرواية <<هي تعبير عن رؤية الروائي تجاه الكون والحياة والإنسان. فإحساس الإنسان بإيقاع الزمن يختلف من عصر إلى عصر تبعا لاختلاف إيقاع الحياة نفسها>>21 لقد استطاع التحليل النفسي سبر تعاطي النفس مع الزمن في النص الروائي، لذا اهتمت الرواية بقضايا العصر ومعاناة الإنسان عبر الزمن.
ويختلف توظيف الروائي للزمن حسب مقتضيات البناء العام للرواية، تمنحه مرونته القدرة على التمثل في النص بأشكال مختلفة، الأمر الذي يجعل منه <<عملا أدبيا أداته الوحيدة هي اللغة، يبدأ بكلمة وينتهي بكلمة وبين كلمة البداية وكلمة النهاية يدور الزمن الروائي، أما قبل كلمة البداية وبعد كلمة النهاية فليس للزمن الروائي وجود>>22.
والملاحظ أن الكتاب الذين ساهموا في تطوير الرواية، شكل الزمن لديهم هاجسا كبيرا، فقد ظنوا أن مواجهته تمكنهم من فهم الحياة، وتمنحهم رؤية سليمة عن الواقع، كما تساعدهم على حل الإشكالات الفنية، بما أن الزمن له علاقة ببنية الرواية <<فالرواية ليست فنا صرفا، فلا بد لها من موضوع ذي صلة، مهما تكن باهتة، بالعالم الذي تعيش فيه و نعرفه بحواسنا. و الموضوع لا بد من أن يعالج سلوك الناس الذين يتصرفون و يشعرون و يفكرون في الزمن، ويخضعون لجميع تقلباته و تنوعاته و تغيراته، و كل فرد في القصة، كما هي الحال في الحياة، يحمل على عاتقه نظامه الخاص للزمن>>23.
 ويبقى الزمن مقولة في النص الروائي تشغل الباحث كعنصر أساس في أي عمل، من العبث محاولة فهم النص خارج حدوده، فالوعي بالزمن هو الذي يدفع على القلق ليشكل زمنا للخلق والإبداع، يتخذه الكاتب سياقا لعمله، لذا نجد الرواية الجزائرية المعاصرة قد أحست بآليته وثقله، انعكس صداه بقوة عليها وإن غلب على هذا الإحساس الوعي الأيديولوجي، بسبب الصدمة العنيفة التي أحدثت خللا في البنية الزمنية الراكدة والرتيبة، بفعل موجة العنف التي اجتاحت حياة الإنسان الجزائري ووضعته في دوامة الحيرة والقلق، مما جعل الهاجس الوطني والاجتماعي والسياسي يتم تشكيله فنيا، في وضع زمني مرتبك نظرا لكون الكاتب كان يكتب تحت تأثير الصدمة، فكان الزمن زمنا للعنف في جميع مستوياته.
هذا التصور عن مقولة الزمن، هو محاولة لصياغة رؤية من أجل مقاربة هذا العنصر، وهي البحث عن دلالاته في النص، والوعي الذي أنتجها والموقف منه في زمن هو زمن العنف ، حتى نكشف عن كيفية تعاطي الإنسان الجزائري للحياة في تلك المرحلة ، وذلك داخل المعطى النصي، أي الوقوف على زمن العنف كما يظهر في المستوى الدلالي.وهذا يعني محاولة الإمساك ببنية الوعي عند الشخصيات أو الراوي ومن خلفه الكاتب، حيث تمارس الأحداث صيرورتها، ويتم الوعي بها. 
1 - زمن النص هو زمن العنف:
يتجلى زمن النص من خلال نقل زمن القصة إلى مستوى الخطاب، لنحصل على زمن الخطاب، بفعل الكتابة التي يمارسها الكاتب وهو يكتب عن أحداث سابقة زمنيا لزمن الكتابة، فيصبح << بناء النص متعدد المستويات والجوانب، وهو يتخطى طبعا حدود الجملة النحوية التي تبقى، مع ذلك، الوحدة المعنوية الأساسية التي تتجلى فيها المعطيات اللسانية، سواء اقتصر عمل هذه المعطيات على وظائف داخل الجملة ذاتها، أو امتد إلى ما هو أبعد من ذلك ليشكل بدوره وحدات تدخل الجمل النحوية في تركيبها وتكون حلقات كبرى أو قصوى يتألف منها النص>>24 ولما تعانق الكتابة القراءة تنتج ما يعرف بدلالية النص، ومنها دلالة الزمن؛ لذا نحاول الكشف هنا عن زمن النص لنصل إلى المستوى الدلالي للزمن. ولا يتم ذلك إلا بالمرور على زمن القصة وزمن الخطاب، ثم كيفية انبناء الزمنين في النص.
أ- زمن القصة:
من المتعارف عليه في مجال الدراسات السردية أن زمن القصة هو زمن الأحداث كما وقعت، أو يمكن أن تقع، فهي محكومة بالزمن المادي الفيزيائي. تدل عليها في الخطاب الإشارات الزمنية التاريخية، والإشارات الزمنية الصغرى. والذي يهمنا هنا هو الإشارات الكبرى التي مثلت الأحداث التاريخية كما وظفها الخطاب، حتى نبين علاقتها بتاريخ العنف، والصورة التي اتخذها في النص. فإذا انتقلنا إلى الزمن الدلالي أمكننا الإمساك بهذه الصورة وتجليها اللساني في الرواية.
يتحدد زمن القصة في (الشمعة والدهاليز) ببداية المسيرات والتجمعات في شوارع العاصمة، يعمد الخطاب إلى توظيف الأحداث الكبرى وليس التواريخ كما سبق في الروايات الأخرى << كانوا في ساحة أول ماي التي أطلقوا عليها اسم ساحة الدعوة، آلافا مؤلفة، يرتدون قمصانا بيضاء، ويضعون على رؤوسهم قلنسوات بيضاء متساوية الأحجام، مثلما هم متساووا السن والقامة، واللحى المتدلية... يتشبثون بمواقعهم أمام الغزو المتتالي لقوات الشرطة التي تقذفهم بقنابل الغاز المسيل للدموع>>25 وهي أحداث كانت إذانا ببداية مرحلة أخرى للعنف سنة 1992.
وإذا كان هناك ما يدل على بداية القصة، فليس هناك ما يدل على نهايتها؛ تنتهي الأحداث باغتيال الشاعر دون إشارة زمنية يمكنها الأخذ بأيدينا إلى وضع نقطة النهاية، وبذلك يكون زمن القصة مفتوحا، تاركا المجال لتداعيات القارئ. وبين البداية والنهاية المفتوحة تعود الذاكرة في استرجاعات خارجية بعيدة لتعيد زمن الثورة إلى اللحظة الحاضرة، فيتقاطع زمن عنف الماضي مع زمن عنف الحاضر، يقوم وعي شخصية البطل ببناء زمن عنيف في لحظة راهنة.
ب- زمن الخطاب:   
يتميز زمن الخطاب بخطيته عكس زمن القصة المتعدد الأبعاد، ومن خاصياته << أنه سردي، وهيمنة السردي في هذا الخطاب تستمد أهم مقوماتها من اشتغال الخطاب الروائي على القصة بأشخاصها و أحداثها وفضائها>>26  لذا يلجأ الكاتب وهو يعطي القصة زمنيتها الخاصة في النص الروائي إلى توظيف المفارقات الزمنية والتقنيات المتعلقة بزمن السرد من أجل استيعاب أحداث القصة، التي يختار منها ما يخدم النص سواء من حيث البناء أو الدلالة التي يسعى إلى إنتاجها. من هذا المنطلق نعمل على كشف خصوصية زمن الخطاب في الرواية التي بين أيدينا، وإن كنا لا ندعي التفصيل؛ إنما نفعل ذلك بالقدر الذي يسمح لنا بإضاءة بنية النص، وفي الأخير زمن النص الذي هو هدفنا هنا.
تدور الرواية في زمن نفسي، يتخذ من التداعي وسيلة للتجلي في الخطاب، يندرج فيما يسمى بالرواية الجديدة؛ فالشخصية هي التي تقوم بوظيفة بناء الزمن عبر وعيها ووجهة نظرها للعالم. يبادرنا الراوي بفاتحة زمنية تشير إلى زمن البداية <<استيقظ الشاعر مرعبا على أصوات تمزق سكون الليل>>27 ويضيف محددا الزمن أكثر <<لم تكن الأصوات لمدافع ولا حتى لدبابات، وجنازر، وكما جرت العادة، منذ سنتين أو يزيد>>28 وإذا كانت أول مرة سمع فيها أصوات المدافع قبل سنتين أو أكثر هي 5 أكتوبر 1988، باعتماد السنتين، نكون في أكتوبر 1990, لكن حينها لم تكن هناك الأصوات المشار إليها في الرواية، لذلك فالمدة أكثر من سنتين، أي سنة 1992، عندما بدأ العنف يمد جذوره؛ وتعتبر هذه اللحظة هي محرك أحداث الرواية، حيث تتدفق مع السرد، وفي أعقابها تتوالد الأزمة في مسار تصاعدي، يخترقه استرجاع يحضر متقطعا في فصول الرواية، يستحضر أيام الثورة؛ نقف على زمنين للعنف، زمن عنف الحاضر، وزمن عنف الماضي الاستعماري من (ص30 إلى ص59) الثورة، يعود في (ص63 إلى ص74)، وماضي ما بعد الاستقلال من (ص74 إلى ص81)، ومن (ص81 إلىص88) يحكي السرد عن طفولة البطل، ومراحل دراسته، وما شهدته من أحداث سياسية خاصة.
 يتشكل زمن الخطاب من زمنين، زمن الثورة الحاضرة التي يقوم بها عمار بن ياسر وجماعته، وزمن الثورة التحريرية، وبين الزمنين يمارس الخطاب الحذف، تدل عليه الإشارات الزمنية الكثيرة؛ والملاحظ أن إيقاع الزمن في الحاضر (ثورة عمار بن ياسر) أسرع من إيقاع زمن الماضي (ثورة التحرير)، يتحرك بقوة وسرعة نحو النهاية.
وينتهي زمن الخطاب في الليل بمحاكمة الشاعر من قبل متطرفين، ثم يقتل <<آه العاشرة تحل، وأنا مشغول بهؤلاء، ترى هل أتمكن من ربط روحينا، أريد أن أودعها الوصية قبل فوات الفوات>>29 ويضيف الكاتب بعد وضع خاتمة الرواية، ملحقا، يصور فيه مشهد الدفن، يجعل الخطاب مفتوحا على أمل قائم في الفتاة التي سماها خيزران، تحمل دلالة التاريخ في صناعتها لهارون الرشيد كما سمته هي، و يتجلى ذلك في <<... يضرب لونها إلى البياض وسمرة وزرقة. ما يجعلها تبدو في الوقت الواحد، آسيوية افريقية. عليها جلباب أبيض وخمار أسود. عيناها لا تفارق الجثة وكأنما تقرأ صفحة من كتاب، أو تستمع إلى حديث هامشي>>30 وإن كان لا يضيف لزمن الخطاب زمنا آخر، إلا أنها ذات دلالة على الأمة الإسلامية بأكملها التي مثلتها الفتاة بشكلها وملامحها.
 |    زمن الثورة التحريرية|زمن ما بعد الاستقلال|ثورة عمار بن ياسر/ اغتيال الشاعر                 
                    |    ماضي الشاعر      |     
نخلص في الأخير إلى أن الحاضر يمثل محور زمن الخطاب، يرتد إلى الماضي، يتفاوت من حيث السعة والمدى من أجل إضاءة هذا الحاضر، وتفسيره أو الدفع به إلى الأمام، يعد الحاضر إطارا زمنيا حرجا للخطاب، وحتى استحضاره للماضي لا يقدم له عزاء، وبدوره المستقبل يغيب، فهو زمن ميت اغتاله الحاضر بعنفه، ليبقى وحده يرتهن الخطاب العاجز عن استرجاع الماضي، وغير القادر على تجاوز الحاضر إلى المستقبل.
ويقدم الخطاب زمنا يبدو كرد فعل من طرف الكاتب، الذي لا يتحكم فيه سرديا، لا يتجلى حيا متحركا في النص، ولا يمارس حضورا فعالا رغم كثافته، يمر إلى النص عبر الذاكرة، هذا الأخير الذي استبدل الذاكرة بالتداعي، مرتهنا الزمن في مستوى اللغة، لا يكون فاعلا في النص وظيفيا ودلاليا في المستوى المطلوب، ولعل السبب في ذلك يعود إلى كون الكاتب لم يزل يعيش الحدث الذي يكتب عنه، دون النظر إليه من مسافة تمكنه من قراءته، أي أن الخطاب متزامن مع الواقع، ومع ذلك فقد قدم النص وعيا ما وإحساسا بمرحلة حرجة، أثرت عليه، وجعلته هذه المرحلة يختلف عن النصوص السابقة، إذ ينحو نحو التجريب، وتيار الوعي، والرواية الجديدة.
كما يمزج الخطاب بين الزمن المادي والزمن النفسي يوظف الذاكرة والتداعي والمونولوج، حتى يمكن القول أن زمن الخطاب هو زمن نفسي؛ تقرأ فيه الشخصيات الزمن المادي بدرجات متفاوتة فيما بينها، كون الزمن المادي وقفت وتيرته في لحظة الحاضر، أوقفها العنف، فانفتح على ما هو مكبوت في الشخصيات،تدفق عبر الخطاب.
والملاحظ أن زمن الخطاب يتراوح بين حاضر عنيف يسترجع ماض عنيف، يرتهنه مشكلا معه زمن العنف، هذا الحاضر لا يختار من الواقع الراهن وحتى الواقع الماضي غير أزمنة العنف، فيكون بذلك زمن الخطاب في النصوص هو زمن العنف. 
و إذا عدنا إلى زمن الكتابة الذي حددناه من خلال تاريخ النشر، نجد أن الرواية ظهرت في 1995، و هي مرحلة التسعينيات التي تميزت بالعنف في جميع مستوياتها الاجتماعية و السياسية والاقتصادية والأمنية، لذا فقد مثل زمن العنف موضوعا لهذا النص، ومن ثم زمن النص كما تجلى من خلال زمن القصة وزمن الخطاب، وهو زمن منفتح على الماضي المتسم بالعنف؛ كعنف الاستعمار الذي يشبه كثيرا عنف الحاضر، ومفتوح أيضا على المجهول لا يستبشر بالمستقبل، ولا يضع نهاية لزمن العنف ذلك أن هذا الزمن ما زال قائما، لا يملك النص أن ينهيه،يكتفي بتقديم موقف ورؤية، تفتقر إلى قراءة الأفق، لذا انعدم فيه الحديث عن المستقبل.
ولذلك يمكن قراءة الرواية على أنها قراءة لمرحلة زمنية شكل أبعادها المختلفة عنصر العنف، وفي الوقت نفسه تعتبر موقفا من هذه المرحلة العنيفة، كما أن انفتاح النص، وطمس زمن المستقبل فيها، أي انفتاحها  على المجهول، أوعلى ما هو غامض يجعل الكتابة خائفة من امتداد زمن العنف، إنها إشارة إلى المحتمل الذي ما تزال أسبابه قائمة.  
2 - وعي الشخصية بزمن العنف:
يتجلى وعي الشخصيات بزمن العنف من خلال الزمن النفسي المرتبط أساسا بالشخصية، حيث يمتد في الذكريات والطموح، تعبر عنه الحالات النفسية المتغيرة، إنه الماضي العائد بوساطة الذاكرة مستخدما الومضة الخلفية، وفي الوقت نفسه هو زمن المستقبل الحلم وبمعنى أكثر دقة هو زمن الديمومة أي الزمن المطلق، وليس الزمن المادي المقاس، لذا يستقر في اللاوعي، ويخضع لقوانينه المبهمة؛ وبذلك فمقياسه القيم الخاصة، وليس الموضوعية، يدرك بتعاقب أوضاع الوعي وحالات اللاوعي <<إنه بعبارة أخرى زمن نسبي داخلي يقدر بقيم متغيرة باستمرار>>31 هكذا يكون الوعي بالزمن/زمن العنف، نموا باطنيا، يتواصل بلا انقطاع دافعا بالماضي إلى الحاضر الذي يحيل بدوره إلى المستقبل.
وقد كشفت قراءة الرواية في ضوء هذا الطرح أن التداعي كان نهج النص، حيث تتداعى المشاعر والأفكار ولذكريات والتخيل، وتتخذ المواقف، وسيمكننا التحليل من كشف طريقة تعامل الشخصيات مع زمن العنف، مع الإشارة إلى طريقة الكتابة التي لا شك سيكون لها أثر في إبراز هذا الوعي.   
والملاحظة الثانية المسجلة من القراءة الأولية للرواية هي نوعية البطل الذي كان من الفئة المثقفة، تدل عليه وظيفته، والموهبة التي يمارسها، ومواقفه، وآراؤه في القضايا المطروحة، فهو أستاذ جامعي وشاعر، تجعلنا هذه الملاحظة الهامة نقول أن الرواية هي رواية مثقف، في زمن عنيف صنع أزمة، جعلت هذا المثقف يعاني مسألة الوجود، في واقع فقد الاستقرار والأمن، وخلال ذلك يتخذ موقفا من الزمن الذي يعيشه بكل تداعياته، انطلاقا من الوعي الذي أنتجته الأيديولوجيا التي تبناها كمثقف، وهنا يمكن القول <<إذا اعتبرنا أن الفن موقف، و أن أشخاص العالم الروائي متخيلون، فهل تكون صورة المثقف... صورة موضوعية تجد في الواقع الاجتماعي المعيش مبرراتها أم أنها لا تعدو أن تكون صورة الروائي المثقف من خلال روايته>>32ويستدعي تأكيد هذه الفكرة الدعوة إلى دور تاريخي، يقوم به المثقفون والمبدعون بأطروحات ثقافية وإبداعية، تجسد خياراتهم التاريخية، و تقدم طبيعة القيم والثوابت التي يدافعون عنها33.
والسؤال الذي سنجيب عنه في هذا المقام، هو: كيف تعاملت الشخصية مع الزمن المفعم بالعنف؟ وهل استطاعت التأثير في زمنها المعاش، وساهمت في تشكيله سلبا وإيجابا؟ وإلى أي مدى عكست صورة الروائي بأبعادها الفكرية، والثقافية، والسياسية، والاجتماعية, هذا الروائي الذي هو جزء من واقع، ولحظة من زمن؟ ومن ثم يمكن الحديث عن خيارات، وقيم، هي في الأساس الأركان المكونة لرؤيته لزمن العنف.   
يبدو البطل في (الشمعة والدهاليز) إيجابيا بما يتمتع به من رؤية واضحة نبيلة << أنا هذا المجرم الذي تتمثل جريمته في فهم الكون على حقيقته، وفي فهم ما يجري حوله قبل حدوثه >>34 إنه شخصية مسالمة متمسكة بأصولها، ومعتزة بانتمائها، لا يخفي انتماءه الأيديولوجي المتعاطف مع عمار بن ياسر وجماعته، رغم انتقاده لمنهجهم ووسائلهم في التغيير.
وقد حوله زمن العنف إلى شخصية إشكالية، تسائل الآخر عما إذا كان التغيير كمطلب أساس مبررا للعنف، وأمام تزايد العنف تضاعف إحساسه بالمساهمة في الحفاظ على الوطن والإنسان، والتعبير عن وجهة نظره، يرى أن المسألة تتجاوز مجرد الموقف العابر أو الرافض، لأن أي أمر يترتب عليه مصير بلد وشعب بكامله في زمن لاحق <<هذا العصر، قدر الشاعر ومعه، علماء اجتماع عديدون كما يعتقد، من خلال تصريحاته في مناسبات مختلفة، دهليز كبير، رغم ما نعتقد من أنه منار، بشتى أنواع المعرفة، فإنه مظلم، وغامض.
غامض مخيف.
ذلك أن القضايا كلها فيه، تحضر في الآن الواحد، وتشكل ما يشبه زوبعة متواصلة، تطلمس كلما ازداد إلحاحا على تأملها، لأنها لم تعد كما كانت هذه السنوات قضايا عامة كلية.
إنها تفاصيل التفاصيل >>35.
يمثل الشاعر البطل الإيجابي الذي يطرح رؤيته في التغيير، والدولة، وينظر إلى العنف كزمن طارئ، وإن لم يكن وليد الساعة <<بالتأكيد إن زمن ما يحدث حاليا، ابتدأ قبل الآن، وربما قبل الليلة، زمن ما يجري في المدينة، وثبة طويــلة  شرع فيها منذ وقت بعيد، وما يحصل، هو بلوغ الطرف الآخر من الهوة>>36 وما ينبغي التوقف عنده هو أن إيجابية الشاعر بدأت نتيجة احتكاكه بالناس من خلال محاضراته، وحديثه معهم في الشارع، والتعاطي مع الآخر المختلف كما فعل مع عمار بن ياسر، وأيضا في المسجد مع المصلين، وأخيرا مع الفتاة خيزران كما سماها، وانتهت أحاديثه بتلك المحاكمة التي أفحم فيها بعض منتجي العنف الذين جاؤوا يحاكمونه، لذلك فهو يعيش زمنا يختلف عن رؤيته ولا يلبي طموحاته، لذلك عمل كمثقف، وعالم اجتماع من أجل تغيير هذا الزمن، بمحاولة إقناع الفاعلين فيه (عمار بن ياسر) وأمثاله، حتى لا تضيع فرصة التغيير، و قد ضاعت فعلا.
فبمجرد نزوله الشارع، ورؤيته للثوار الجدد، وسماعه هتافاتهم، راح ينظر إلى واقع الناس أدرك أن <<في بلدنا شعبان: شعب سيد، لا يجد وسيلة لفرض سيادته غير الأوراق والأوامر، وشعب مسود قرر أن لا داعي للخضوع والامتثال لأقلية لم ترضه ولم تلب رغباته وطموحاته في أي ميدان من الميادين>>37 فكانت النتيجة أن استرجع الأعراب صورة أجدادهم القديمة، وتوجهوا إلى <<السادة يحدقون في أعينهم ويطلبون منهم بصرامة وإصرار التنحي، وركوب البحر والالتحاق بالسادة الأوروبيين، سكارى هادرين: لا إله إلا الله محمد رسول الله عليها نحيا وعليها نموت وعليها نلقى الله >>38
يفهم أن ما يحدث الآن له علاقة بما حدث في الماضي، وهو أن <<الشعب الجزائري لا سلاح ثقافي له سوى دينه >>39 لكنه تردد، وخجل من ترديد شعار الثوار الجدد، مما يكشف عن موقفه تجاههم، فهو مع التغيير ولا يرفض أن يكون تحت هذا الشعار، فقد حرر الأجداد به الوطن من قبل، لكن هؤلاء الجدد لم يحسنوا استخدام هذا السلاح، وسيضيعون فرصة التغيير، وهو في الوقت ذاته موقف رافض للعنف، وعدم الانسجام معه كزمن بديل، لأنه سيضع بدل العنف عنفا آخر.
هنا نكتشف ما يعانيه من ألم كمثقف يرى وطنه يتدمر، ويتقهقر وضعه إلى الأسوأ، وحينما يتفاقم العنف، و يمتد زمنه بمرور الوقت، يتحول الشاعر إلى دهليز مقفل أمام الآخرين انتقاما منهم <<أتحول إلى دهليز مظلم، متعدد الجوانب والسراديب والأغوار، لا يقتحمه مقتحم مهما حاول، وهذا عقابا، لجميع الآخرين على تفاهتهم>>40 ولم يمنعه ذلك من الانخراط في الزمن، وتجاوز مجرد الإحساس به ومستوى رد الفعل إلى مستوى الفعل الواعي المدرك لقضايا عصره.
 إن الشاعر في (الشمعة والدهاليز) هو الوحيد في المدونة، اللذي يمكن القول أنه تجاوز الدهشة والحيرة، أوالصدمة الناتجة عن زمن العنف، وانتقل إلى مرحلة الإدراك والتعاطي مع الزمن بوعي تام فاعل مبني ومؤسس على رؤية؛ ولعل هذا ما عبر عنه مشهد المحاكمة في آخر النص، إذ وضح الشاعر بموقفه ورأيه أنه يختلف عن كل ضحايا العنف، بما يحمل من وعي، وإدراك، وإيمان، وفهم، وما على هؤلاء القضاة المقتحمين إلا أن يفهموا أنهم في حضرة مثقف يرفض الخضوع، أو التهميش، ولعلهم فهموا ذلك، فاستشعروا الخطر على مشروعهم التدميري، فقتلوه، وهو ما نقرأه في كلام الشاعر وهو يتساءل عن تهمته <<ترى بم سيحاكمونني ومن أكون؟ دوناتوس؟ خالد بن الوليد، بعد إخماد فتنة الردة؟ طارق بن زياد، بعد فتح الأندلس، موسى بن نصير؟ جان دارك؟ نابوليون بنابرت؟ فوبلز؟ أوموسوليني؟ أبوليوس في طرابلس متهما بجماله؟ أبا ذر الغفاري، متهما بالسير وحده؟ غاليلي متهما برؤية الأرض مكورة؟>>41.
تجعله الشخصيات المنتقاة في النص، والأفعال المنسوبة إليه في موقع، و هم في موقع نقيض، هو متنور في زمن الظلام، عالم في زمن ينتصب فيه الجهلة قاضاة، إنها ثنائية التناقض التي فجرت العنف، كان ضحيتها المثقف الإيجابي الوطني، صورته هي صورة الهم الوطني <<بطلا هو مفرد في جمع وجمع في مفرد، يصبح البطل تجسيما لمجرد هو روح الأمة، ويجد الروح القومي المجرد طريقة إلى التاريخ عبر الشخصية المحددة>>42.
تحضر شخصية الشاعر كفاعل رئيس في النص، أستاذ جامعي، شاعر، عالم اجتماع، يتخذ موقعا في الزمن الاجتماعي والثقافي خاصة الفكري، في زمن، وإن لم يكن جديدا، فهو مرحلة مازالت تتكون، يتخذ تجاهه علاقة قرائية، ذات تقرأ زمنها، يقرأ الشاعر العالم حوله، فهو شخصية جاهزة تحمل وعيا بالزمن   مكتملا، لها رؤية للعالم، لذا فالرواية بدورها قراءة للزمن، لهذه المرحلة؛ وبحكم تكوين الشخصية يقع حضورها في بؤرة الزمن، تقارب، وتناقش, وتقدم وجهة النظر، ومع ذلك غارقة في سرداب هذا الزمن، تجري وراء خيطه باحثة عن جذوره، عن مسبباته، ومتطلعة لما قد يفضي إليه.
يتقدم الشاعر في الزمن العنيف، متخذا موقعا، يجعل بينهما مسافة  تمكنه من استيعابه وفهمه على حقيقته، مع الجيران، في المسجد، في الجامعة، في الشارع، مع الجماعة الإسلامية، يدرك أنه في واقع مظلم ليس من السهل تغييره <<ويكفيه أنه أدرك أن قومه و معظم الأقوام المحيطين بقومه في ما يسمى بالعالم الثالث أو النامي، أغنام، إن حاولوا اقتحام الدهليز، تاهوا إلى أبد الآبدين>>43.
لقد لاحظ، وقارن، وفكر في حدود وعيه، حاور وجمع الأمور كلها في رأسه، فوصل إلى تلك النتيجة، ولم يقف عندها، بل راح يعمل من أجل تغييرها، فقد رأى الحرمان في عيون خزيران، ورأى حرمان الناس من وطنهم، وتمرد المظلومين، وعنف المتهورين، فتجلت الحقيقة واضحة، حقيقة الظالم والمظلوم.
لا يحضر وعي الشاعر بالزمن في النص، فرديا، أو متعال عن الوعي الجماعي، بل يقدمه النص مرتبطا بوعي الآخرين المشاركين في ما هو يومي (عمار بن ياسر، خزيران )، وعلى علاقة بما يحدث من مظاهرات، ومسيرات، وعنف، واستغلال، منذ زمن يغوص في الماضي مشكلا سلسلة، نتيجتها ما يحدث الآن.
يعبر الشاعر عن المنظور الفكري للنص، رؤية الراوي/الكاتب، فـ<<الإنسان المتكلم في الرواية هو دائما صاحب أيديولوجيا بقدر أو بآخر، وكلمته هي دائما قول أيديولوجي واللغة الخاصة في الرواية هي دائما وجهة نظر إلى العالم تدعي قيمة اجتماعية>>44 وهذا ما تفعله رواية (الشمعة والدهاليز)، إذ تحكي عن حاضر عنيف، ترى أن له علاقة بالماضي، وفي المسافة الممتدة بين الماضي والحاضر يبرز إلى السطح وعي يعبر عن أيديولوجيات متصارعة، ومتواطئة، ترافقها مشاعر وأحاسيس، تعاني وهي تساير الزمن.
 يصل الشاعر إلى الاقتناع بأن الماضي الملغم هو منتج العنف،<<إنما اقتنعت، بأن عمل أبي لم يتم، وأنه بالإمكان إنجاز عملية إتمامه، لقد ترك الحبل على الغارب وعلي أن ألتقط هذا الحبل، قبل أن يسقط، وأن أتم المهمة>>45 ولإتمام هذه المهمة يقترح عمار بن ياسر "الخلف" ماض آخر، هو ماضي السلف الصالح (الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته )، يوافقه الشاعر الرأي، لكن انطلاقا من قراءة الحاضر والانسجام معه، حتى يمكن تجنب الوقوع في غواية الشيطان والأعداء << القول بنقطة الصفر، يخدم أعداءنا لتكن نقطة النور، النقطة التي توقف عندها المسلمون قبل انحطاطهم، النقطة التي أنارت طريق أبي وباقي أفراد الشعب الجزائري، ليخوضوا معركة تطهير بلاد الإسلام، بالجهاد في سبيل الله، مرددين الله أكبر لا إله إلا الله، عليها نحيا وعليها نموت وعليها نلقى الله، وقبل أن يتموا الطريق أغوتهم الشياطين، واستسلموا لمكائد أعداء الله>>46.
وإذ يتفاوت أعضاء الجماعة الإسلامية في علاقتهم بالماضي (السلف)، عمار بن ياسر وأحد أتباعه، ثم علاقتهم بالحاضر، ومحاولة الوثوب إلى المستقبل، بإلغاء جزء كبير ومهم من الماضي، خاصة ما تعلق بماضي الجزائر وما أنجزه من حاضر اجتماعي وسياسي واقتصادي، في مقابل ذلك يتقدم الشاعر بكل ثقة، مدركا الخطر الذي حتما سينجم عن وثبة هؤلاء، ورد فعل أولئك، لأنه فهم الحاضر بمشكلاته، والماضي الوطني والإسلامي، وراح يحذر من خطر ضياع فرصة التغيير، والضياع في دهليز العصر.
في إطار الحاضر العنيف والملغوم، يتطلع الشاعر إلى المستقبل، منطلقا من قراءة الماضي، لكن الواقع يقف سدا منيعا، يحول دون إتمام ما لم يتمه الأب وفق رؤية كانت سببا في قتله على يد كل المتصارعين،  تواطأوا على اغتيال مشروع التغيير الذي يقضي على مصالحهم وأنانيتهم؛ ومع ذلك تستمر الفكرة، وإمكانية تحققها في المستقبل، تمثلها حزيران رمز الإسلام السلاح الوحيد للشعب الجزائري <<هذا يستوجب، من بين أشياء أخرى تركيبا بين الماضي والمستقبل، بين القديم و الجديد، إلا أن هذا التركيب لا يكون حلا وسطا مستمرا أو رجعيا؛ بل هو على العكس استئناف لقيم الماضي للإنسانية والحقيقة من منظور القوى الجديدة التي تخلق المستقبل، إنه استئناف يستطيع وحده العثور على الكلية التي هي القيمة الجوهرية لكل حياة أصيلة للفكر>>47.
يعد هذا النص محاولة لتجاوز الإحساس بالعطب الذي كان يقلق الذات الجزائرية، أثناء عبورها دهاليز الزمن، وتدحرجها عبر اللحظات الوجودية المختلفة المفعمة بالعنف. فليس هناك تحول في الشخصيات وهي تعيش زمن العنف، تحافظ على مسارها من بداية النص إلى نهايته، كما لا تتخلى عن مواقفها تجاه العنف.
كانت هذه الشخصية منسجمة مع ذاتها، اندمجت في الزمن، واستطاعت الخروج من قوقعة الذات، والزمن النفسي، وتعاملت بإيجابية مع العنف كزمن حاضر فعلي، وعملت على تغييره، وفق رؤيتها الخاصة.
قد تبين أن زمن العنف في النص الروائي يتأسس ابتداء من أكتوبر 1992، اختاره الكاتب لبناء خطابه، يحرك في إطاره شخصياته، مركزا على الجزء الأول من عقد التسعينيات، وهي المرحلة الأكثر عنفا، و لعل الروائي بذلك قد اختار هذه البؤرة الزمنية المتوترة ليلبس شخصياته هذا الزمن في مواجهة زمنها الذاتي، ومحاولة الكشف عن الوعي بالمرحلة، عبر البطل عنه، و قدم رؤية كانت المنطلق في التعامل مع زمن العنف، تحمل مشروعا لمجتمع  يتجاوز مرحلة العنف، والعودة إلى حياة طبيعية خالية من مسببات العنف.    

ثالثا – التطرف:
اتضحت منذ أحداث أكتوبر 1988، أكثر مواقف ومواقع التيارات الاجتماعية والفكرية في الجزائر. وفي التسعينيات طرحت إيديولوجياتها على الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ووجد الروائي نفسه وجه لوجه معها، وإن كان واحدا منها، لذا راح يكتب عنها متبنيا إحداها، ومهاجما أخرى؛ وقل ما يكون محايدا، ركز في رواياته على التطرف وشخصية المتطرف، أحضره ليدينه، ويحمله مع السلطة ما حدث، وسنطمح في هذا المبحث إلى تحديد الصورة التي ألبستها الرواية للتطرف، متحدثين عن الجماعة الدينية، والمتطرف، والقاتل.
1- الجماعة الدينية:
تحضر الجماعة في النص بمفهوم التنظيم الخاضع لنظام هرمي شبيه بالعسكري، يحكمها (أمير ) يقوم بتكوين الأفراد، الذين يبايعونه على السمع والطاعة، ويسوسهم هو، يوجه إليهم الأوامر فينفذونها دون مناقشة.
ينطلق المتطرف الديني من المشابهة التي تحقق الاتحاد، حيث ترفض الجماعة التميز والاختلاف داخل صفوفها، منطق تؤسسه النصوص: يد الله مع الجماعة صاحبة الرأي الواحد، الواحد هو الكل، والكل هو الواحد؛ الخارج عنها ضحية للشيطان، كالشاة الشاردة ضحية للذئب، موحدون حتى في الشكل <<يرتدون قمصانا بيضاء، ويضعون على رؤوسهم قلنسوات بيضاء، متساوية الأحجام، مثلما هم متساووا السن والقامة، واللحى المتدلية، لا يدري المرء إن كانت اصطناعية أم طبيعية>>48.
وتطمح الجماعة إلى توحيد صورة أفرادها من حيث البنية الفكرية الواحدة، بعيدا عن الاختلاف، مرتكزاتها النقل لا العقل، وكذا البنية الشكلية المتمثلة في (القميص، القلنسوة، اللحية، الكحل)؛ هناك ارتباط عضوي قوي بين الفكر والشكل، لتكتمل صورة المنتمي للجماعة، وبهذا الشكل فإن الكاتب، قد وصل إلى تنفير القارئ من مثل هذا النموذج الإنساني، خاصة إذا أضيف إلى الصورة  السلوك العنيف الذي تمارسه الجماعة ضد الآخر المختلف.
وينحدر جل أفراد الجماعة من الطبقة الكادحة، ذات الوعي الجماهيري المندفع إلى الثورة على الوضع القائم، نحو وعي ممكن، قد يغير من أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لذا كان يعبر عن وعيه بعنف؛ فتتلقفه الجماعة وتضمه إلى صفوفها، موظفة الوضع القائم، وهو نفسه السبب الذي جعل الشاعر بطل (الشمعة والدهاليز) يجد صعوبة في الوقوف ضدها، لأنه بدوره <<مثقف ثوري كرس حياته لخدمة الجماهير والدفاع عن قضاياها>>49.
وإذا وجد الشاعر تفسيرا لنزوع الجماعة إلى الثورة، بحكم الطبقة المنتمية إليها؛ فإنه لم يجد لسرعة الانقلاب في تفكيرها، ولباسها تفسيرا يقول: <<هكذا نزعوا سراويلهم وارتدوا الجلابيب، وأطلقوا اللحى، واستسلموا لسرداب من سرداب الماضي يمتصهم>>50 هؤلاء الذين زار معظمهم أوروبا، واقترفوا الآثام، يغيروا من مظهرهم، ويتنكروا لحاضرهم، مرتمين في سرداب الماضي.
يجعل إسناد السرداب للماضي هذا الأخير زمنا مظلما، استرجعته الجماعة، ليس كليا كما تدل كلمة (سرداب)، إنما انتقت منه ما رأت فيه من وجهة نظرها صحيحا، وذابت فيه مولية ظهرها للحاضر الذي هو أولى؛ هنا يأتي الدور الوظيفي لهذا الزمن القادم، إنه الامتصاص، فعل قوي، يجذب إليه الفرد وينهيه، يحوله بدوره إلى عنصر لا علاقة له بزمنه الحقيقي والفعلي، وهو ما يخالف رؤية (غولدمان) فيما يخص الوعي الفعلي والوعي الممكن، إذ ينبني الثاني على الأول، لكن الظاهر أن الوعي الممكن لهذه الجماعة ينفصل عن الوعي الفعلي، وينطلق بدل بناء وعي جديد، لاستحضار وعي جاهز، قد لا يشكل وعيا مطلقا، ما يعني إلغاء العقل بالتمام، لنقف أمام وجهة نظر للعالم يحكمها الماضي، ويشكل واقعها.
وقد عجز الشاعر عن تفسير هذه الظاهرة، ورأى <<كما لو أنهم خرجوا أجمعين من هذه المدينة، و من هذا العصر، و استخلفوا مكانهم قوما آخرين، ربما أتوا بهم من أقصى البلدان، و ربما من أقصى الماضي، يقين أنهم ليسوا أجدادهم، فأولئك لم يكن لهم مثل هذا الحماس، و هذا التصميم و هذه الرغبة في التمايز، و ربما لأنهم لم يكونوا مهددين من الآخر، بهذا الشكل، أو ربما لأنهم لم يكن بينهم من يحكم في شكل الآخر>>51.
يدفع الانقلاب الذي شهدته الجماعة إلى السؤال عن انتماء هؤلاء، الذين بدوا و كأنهم لا ينتمون لهذه المدينة ولهذا البلد، كأنهم غيرهم، بل لا علاقة لهم بأجدادهم. عند هذا الحد يصل الراوي إلى سبب انقلاب كيان الشخصية المنتمية للجماعة، ويحصره في الآخر، الذي يهدد هويتها، فكان ردها عنيفا متطرفا، اتخذت التنفير من هذا الآخر عنصرا مهما في خطابها، مضيفة إليه السلطة الحاكمة في شكل الآخر، فلم تفرق بينهما، ورأتهما وجهين لعملة واحدة.
إن الشعور بتهديد وجود الكيان، يضع الجميع في دائرة الرفض، نتيجته دخول الجماعة في صراع مع السلطة، التي تستخدم بدورها أجهزتها لقمع غريمتها الأولى، كاشفة عن تطرف يكمن في رفضها الآخر (السياسي) كشريك سياسي، يتداول على السلطة، وتثبت بسلوكها عن عدم فهم تفكير المواطن الذي تسوسه، معبرة عن جماعة مقابلة تسيطر على الحكم؛ من هذه الزاوية يظهر طموح الجماعة الدينية السياسي، تقدمه في رؤيتها للدولة الإسلامية التي تنوي بناءها، كانت وسيلتها المواجهة المسلحة مع السلطة، وهو ما رفضه الشاعر أول ما التقى بشباب الجماعة يحملون الأسلحة، فـ <<شعر بالضيق الكبير خاصة من منظر البنادق، التي لم يكن يتمنى أبدا، أن تكون بين أيدي أمثال هؤلاء الشباب>>52.
 تبين عبارة (أمثال هؤلاء الشباب) عن سبب رفض الشاعر للسلاح، خاصة ما يميز البنية الفكرية لهم، إلى جانب صفة الشباب الدالة على الحركة والنشاط والتهور والسذاجة، زيادة على اعتمادهم النقل دون العقل، الأمر الذي يجعل منهم خطرا كبيرا، لا يحسنون استخدام السلاح استخداما عقلانيا، وقت اللزوم، إن كان لذلك ضرورة.
وعندما يتوغل الشاعر وسط الجماعة رفقة الأمير عمار بن ياسر أحد قادة الجماعة، يرى أن التوحد الظاهر يتقوض، وإذ بـ <<الحركة ليست تنظيما موحدا وإنما هي عدة فصائل، وربما هؤلاء الشبان من الفصيل المتطرف المسلح، هاته إحدى إشكاليات الحركة الداخلية>>53 وتعد رؤية الشاعر لهذا التباين مهمة جدا، تخص البنية الفكرية للتنظيم، حيث تنهار الوحدة الظاهرة، وإذا بالجماعة جماعات، والتعدد تعدد فكري، يحكمه الاجتهاد الفقهي القائم على النقل، أي اعتماد النص، فيطفو الاختلاف؛ وليس معناه القبول بالمختلف داخل الجماعة كما قد يبدو، إنها فصائل تتنافس داخل الجماعة لتمثل إحداها واجهة التنظيم، وقد يصل الأمر حد الاقتتال، تكون فيه الغلبة للفصيل المسلح المؤمن بالعمل العسكري الوسيلة الوحيدة للتغيير.
بعد هذا الاكتشاف يكوّن الشاعر خلاصة نهائية، هي رؤيته لهؤلاء <<إنهم شيع وأحزاب، الانتهازيون يركبون موجة الدين، كل حزب يتأسس يحاول انتزاع البساط من تحت الآخرين، الأجهزة تنشئ أحزابا و تستعمل إسلامها، المهمشون في الحياة، يظنون أن حجة وجبة ولحية، وإن شاء الله والسلام عليكم، تصنع مسلما شريفا، وتخلق اعتبارا اجتماعيا، لكأنما توقف العقل وفضول المعرفة...>>54 تجعل (إن) في بداية المقطع الكلام حكما مؤكدا وحقيقة، تعري الجماعات الدينية، وتكشف عن تركيبتها الاجتماعية والفكرية (الانتهازيون، الأجهزة، المهمشون )، كلهم لبسوا رداء الدين وسيلة للحصول على السلطة، وتحقيق المصالح، مبعدين المنطق والعقل من ساحة المنافسة، ومستبيحين كل الشعائر لأجل الهدف المنشود، بعيدا عن رؤية المجتمع كيانا تشكله الفصائل جميعا باختلاف أطيافها .
إذن هذه هي حقيقة الجماعة الدينية، تقوم على تدين ناتج عن ظروف اجتماعية قاهرة، ثم يتحول إلى عقد، تظهر في شكل ملتح، قد يتغير بتغير الظروف التي أوجدته. وهنا نتحدث عن غياب الوعي والاعتقاد الصحيح المبني على قناعة راسخة، وتفكير متأني، يعي ما يعتقد به، ويفكر فيما يحققه من إنجازات؛ يقدم نفسه كرؤية مستعدة لمحاورة الآخر الذي تقبل به طرفا في المجتمع، وتعيش أخيرا حاضرها، دون أن تهمل ماضيها، مع تطلعها للمستقبل.     
2-المتطرف:
وقد كشفت رواية التسعينيات عن وعي يرى العنف نتيجة للتطرف المتصاعد بأشكال، مثلتها نماذج لشخصيات تمارس عنفا، يبدأ فكرة تكبر شيئا فشيئا، ثم تتحول إلى تعصب يتخذ له مظهرا في اللحى والكحل والقميص بالنسبة إلى للتطرف الديني، إضافة إلى تطرف السلطة، لينتهي ذلك كله بالقتل كأعلى درجات التطرف.
يوظف النص الحوار، تاركا للشخصية الدور في تقديم نفسها للقارئ دون وساطة الراوي، حيث يلملم أجزاءها المتناثرة في الرواية، ويكون لها صورة متكاملة، ليرى ما إذا كانت فعلا متطرفة أم لا.
من هذا المنطلق نسعى إلى التعرف على هذه الشخصية، ونعمل على كشف طريقة تقديمها، وتوظيفها في النص، حيث يترك الراوي للشخصية حرية التعبير عن نفسها، وهي تحاور بطل الرواية في قضايا سياسية وفكرية، تتمحور حول الدولة الإسلامية التي تنوي الحركة إقامتها؛ ومن خلال الحوار يبرز فكر المتطرف، وقبل ذلك يعمد الراوي إلى تقديمه موظفا تقنية الوصف كما عرفت في الرواية الواقعية، رغم أن الرواية تندرج ضمن روايات تيار الوعي، وهذا الأسلوب في عرض الشخصيات من بقايا المرحلة الأولى للكتابة الروائية عند الكاتب (الطاهر وطار)، فكثيرا ما تتخلل بعض ملامح الواقعية النص، ينتخبها الكاتب عند بداية تقديم أي شخصية، يقول الشاعر :<<كانت ملامح الشاب، تتميز تحت النور شيئا فشيئا، لونه يميل إلى السمرة، عيناه سوداوان مشعتان، أنفه بين القصر والطول، يميل قليلا إلى الفلطحة، بينما خنابتاه ممتلئتان بشكل بارز، مما يدل على بقايا من غلامية بعيدة، يعزز ذلك، بعض الاكتناز الذي يطبع الشفتين، قامته طويلة منكبان عريضان >>55.
وطال ما قرأنا مثل هذا الوصف في الروايات الواقعية، يعتمد التجزيء في عرض الشخصية مركزا على المظهر الخارجي، يتناول الوجه بالتفصيل، لا يميز الشخصية عن غيرها إلا شكلا، مما يساعد على ملامسة الوعي الذي يختفي خلف هذا المظهر، كونه المنتج للسلوك، يمكن من تصنيف منتجه.
وبالتساؤل عن سبب التركيز على الوجه، نكتشف أن الوصف لم يأت اعتباطا، وأن الشاعر حاول الإمساك بالصورة الكاملة للوجه، التي بدورها قد توحي بالوعي بما تحمل من ملامح، لذا سرعان ما اكتشف البطل أن الوجه ليس غريبا عنه، لقد رآه في التلفزيون، وسمعه يتحدث، فحدث تطابق بين الصورة الشكلية للشخصية وحديثها، <<ما يدل على أصالته كجزائري، فيه شيء من كل شيء إفريقية على أبيض متوسطية، عروبة على بربرية>>56 إنه يمثل الإنسان الجزائري، لذلك تعاطف معه الشاعر، وشعر بالتجاوب معه، وقرر تجاوز حدود التحفظ تجاهه.
تتكاثف الملفوظات (إفريقية، أبيض متوسطية، عروبة، بربرية) بصفتها بنيات سوسيو- لسانية لترتقي بالشخصية إلى مستوى الرمز الدال على الفرد الجزائري. حتى هنا ليس هناك ما يدل على تطرف الشخصية؛ فيتواصل العرض، ونعرف أن الشاب <<في الثلاثين، مهندس في النفط قيادي في الحركة، يناصر العقل والاعتدال، ويبغض الجهل والتطرف، اسمه الحركي عمار بن ياسر>>57 ثم تتوالى المسندات بتعبير غريماس، مبرزة الشخصية أكثر، وهي مسندات متنوعة بين ثابتة ومتحركة، يمكن تحديدها كالآتي:
     ------------ الشخصية ----------       
      مسندات ثابتة                                          مسندات متحركة
في الثلاثين، مهندس،  اسمه الحركي           قيادي في الحركة، يناصر العقل، والاعتدال، يبغض الجهل
               عماربن ياسر                                                         والتطرف
تنتج هذه المسندات دلالات، تتمم دلالات الوصف الخارجي للشاب، فالثابتة دلالتها هي:
-         في الثلاثين: الشباب/الحركة/النشاط
-         مهندس: الثقافة/الوعي
-         عمار بن ياسر: الاعتدال، في تناصها مع التاريخ.
تتأسس على هذه المسندات المسندات الحركية، فكونه مهندس جعله قياديا في الحركة، واتجه بعلمه وثقافته نحو الاعتدال، ومناصرة العقل، وبغض الجهل والتطرف؛ تأتي هكذا:
-         قيادي في الحركة: مرتبة تمنحه دورا وظيفيا في التأثير.
-         يناصر العقل والاعتدال: مسند يدخل في تناقض مع التطرف والجهل، لذلك فهو يبغض هذين الأخيرين.    
نعود إلى الاسم (عمار بن ياسر)، ليس الاسم الحقيقي للشخصية، بل  اسما حركيا، يستحضر شخصية الصحابي (عمار بن ياسر) التاريخية، التي تقر كتب السيرة أنها تعرضت للتعذيب وأسرتها على أيدي المشركين، ولم ترجع عن دينها، لكن السؤال هو ما علاقة عمار بن ياسر التخييلي، بعمار بن ياسر التاريخي؟ والجواب نجده في المسندات المتحركة، التي تنسجم مع الاسم كمسند ثابت، وهي (الاعتدال والعقل) المحببان، و( التطرف والجهل) المبغضان، حيث تجعل الشخصية الفنية تستمد صفاتها من الشخصية التاريخية عن طريق انتحال اسمها المحمل بالسلوك، الذي عرف بها صاحبها في مواجهة المشركين بالصبر، واعتماد العقل في الخروج من محنته. إذا فشخصية عمار بن ياسر شخصية معتدلة، بعيدة عن التطرف، ما يفسر تساؤل الشاعر عن مدى تأثيرها في من حولها.
إلى هنا تكفل الشاعر بتقديم هذه الشخصية بلغة واصفة محايدة، نابعة من الشخصية الموصوفة ذاتها، حاول الكاتب أن يبدو حياديا تجاهها، متغلبا على أيديولوجيته؛ وحين يدخل البطل في حوار مع عمار بن ياسر، يبدأ الأخير في كشف رؤيته السياسية والفكرية، ونظرته للدولة، يقول: <<هذه المرة، ننجزها بإذن الله سبحانه وتعالى، ثورة إسلامية حقيقية، ثورة ربانية، تخالف كل ما أنجزته المعتقدات الوضعية، ننجزها إن شاء الله، شجرة مباركة لا شرقية ولا غربية>>58 ويقول في موضع آخر :<<ستشكل الحكومة ما في ذلك شك >>59 كما يتحدث عن قيام الخلافة من المغرب الأوسط/الجزائر.
يترك الكاتب شخصية عمار بن ياسر تتكلم مانعا راويه من التدخل، وهو بذلك يتبع أسلوبا ذكيا، فعندما يتحدث عمار عن قيام الدولة الإسلامية، يوظف لغة تنطوي بعض كلماتها على عنف، تنبئ عنه في المستقبل، أي الطريقة التي بها تقوم دولته، يستنتج القارئ أنها حتما لن تقوم إلا عن طريق العنف الكامن خلف كلمة (ثورة)، التي ستكون ضد سلطة قائمة مسبقا، ليس لها النية في التخلي عن الحكم بأية طريقة؛ مما جعل الشاعر يتساءل عن الكيفية التي بها ستقوم هذه الدولة، وبهذه السرعة، عندها نكتشف جانبا آخر لشخصية عمار بن ياسر.
وتحضر عبارة (تخالف ما أنجزته المعتقدات الوضعية) لتكمل صورة العنف، وتبرز تطرف الشخصية، لأنه من الطبيعي أن العقيدة السماوية تخالف العقائد الوضعية، لكنها لا تخالف ما أنجزته من حضارة بالضرورة، بل ستفيد من جانبها العملي و المادي، وهي تؤسس لنفسها كدولة، لذلك يغدو رفض منجز الآخر الحضاري تطرفا غير مبرر من شخصية قدمها النص في البداية على أنها معتدلة، تبغض التطرف والجهل، لا ينسجم تقديم الشاعر لها مع تعبيرها هي عن نفسها، بخصوص قيام الدولة الإسلامية، تصل ذروة تطرفها في إعلانها عن تشكيل حكومة، ما يعني دولة داخل دولة، يتوارى خلفها عنف تلخصه طرائق ووسائل بناء الدولة الجديدة، وتشكيل حكومتها.
وفي رده عن سؤال أحد أتباعه يكشف عمار بن ياسر عن مرجعيات دولته، يكون السؤال <<وهل ستكون كحكومات النظم الأخرى، وزراء وكتاب دولة و ما إلى ذلك>>60 و يكون الجواب <<لا يأخذنكم الغرور، فلسنا أول من أقام نظاما إسلاميا، هناك إيران، وهناك السودان، وأخيرا أفغانستان، لسنا وحدنا في الكون>>61 إذا مرجعيته إيران والسودان وأفغانستان، و هي نماذج تنطوي على عنف متفاوت الحدة، وبالتالي تنطوي شخصية عمار بن ياسر على التطرف، نجح الكاتب في عرضه بلغة حيادية تاركا للقارئ مهمة تصنيفها مع أن بطله كان متعاطفا معها، ومعجبا بها.
لقد أضحت صورة المتطرف في الرواية الجزائرية المعاصرة شخصية متعصبة لرأيها، تحتكر فهم الدين، وتلغي الآخر المختلف، وتهدد بتصفيته، تعيش في الماضي، وتعتبر الحاضر بدعة مصير أهلها النار، تؤسس رؤيتها على النقل دون العقل.
الخاتمة:
لقد استدارت الكتابة إلى العنف بأشكاله والدمار الذي خلفه، تلتقط مظاهره، وهي تعيد صياغته أنتجت جملة من القضايا كشفت عنها الدراسة، نجملها في النقاط الآتية:
- يدل المكان عموما على الجزائر، اتخذ في الرواية دلالة الوطن حتى يؤدي الوظيفة التي أسندتها إليه الكتابة، كشفته واقعا قائما ليس فقط في مستوى اللغة إنما كان حقيقة واقعية، ينطبق ذلك على الشارع والمدينة، التي جردها النص من اسمها، وأحاطها بتوصيفات، رفعتها إلى دلالة الوطن، الجزائر.
- تم توظيف الأمكنة عبر وعي الراوي ووعي الكاتب، الذي ألبسه لبوسات الإنسان بكل أبعاده، ما جعل الروائي يوسع المكان تارة، فيوظف المدينة، وتارة يعمل على تضييقه، فيوظف الشارع، ويزيده ضيقا فيوظف البيت، والهدف من ذلك إظهار، وتعرية بشاعة العنف أمام القارئ، ومن ثم يكون المكان شكلا من أشكال الأزمة العامة، لذا نقول هي أمكنة صاغتها ظاهرة العنف، لم يستطع الكاتب تجاوزها، استوعبها تحت الصدمة، ونقلها عبر الوعي الآني إلى مستوى اللغة، إذ أن تدمير الأمكنة هو تدمير للذات الإنسانية، لعاداتها، لتاريخها، لقيمها، لكيانها، دمار يدل على الخلل النفسي، والفكري، والعقدي الذي أصاب الإنسان في العمق. وهنا نقول أن الرواية قدمت مكانا يعيش الكارثة بجميع مستوياتها اجتماعيا، وسياسيا، واقتصاديا، وأيديولوجيا، وعقديا. والملفت للنظر أن المكان الذي احتل مساحة أكبر في الرواية هو المدينة لارتباطها الوجداني بالإنسان خاصة الكتاب واعتبارها الأكثر عرضة للعنف ضحيته الأولى.
- مثل زمن العنف موضوعا للرواية، حيث زمن النص كما تجلى من خلال زمن القصة وزمن الخطاب، هو زمن منفتح على الماضي المتسم بالعنف؛ ومفتوح على المجهول لا يستبشر بالمستقبل، ولا يضع نهاية لزمن العنف، لذا يمكن قراءة الرواية على أنها قراءة لمرحلة زمنية شكل أبعادها المختلفة عنصر العنف، وفي الوقت نفسه تعتبر موقفا من هذه المرحلة، كما أن انفتاح النص، وطمس زمن المستقبل فيها، يجعل الكتابة خائفة من امتداد زمن العنف، إنها إشارة إلى المحتمل الذي ما تزال أسبابه قائمة.  
- كانت شخصية البطل منسجمة مع ذاتها، اندمجت في الزمن، واستطاعت الخروج من قوقعة الذات، وأسر الزمن النفسي، وتعاملت بإيجابية مع العنف كزمن حاضر فعلي، عملت على تغييره، وفق رؤيتها الخاصة.
- يتبين أن الكاتب ختار زمن العنف لبناء خطابه، يحرك في إطاره شخصياته، مركزا على الجزء الأول من عقد التسعينيات، وهي المرحلة الأكثر عنفا، وبهذا الاختيار يريد مواجهة  الزمن الذاتي لشخصياته بزمن العنف، للكشف عن وعيها بالمرحلة.    
- تكشف الرواية عن صورة  للجماعة الدينية، تقوم على تدين ناتج عن ظروف اجتماعية قاهرة، يتحول إلى عقد، تتخذ أشكالا محددة، تتغير بتغير الظروف التي أوجدتها. تقدمه –الرواية- تدينا يدل على غياب الوعي والاعتقاد الصحيح المبني على قناعة راسخة، وتفكير متأني، يعي ما يعتقد به، ويفكر فيما يحققه من إنجازات؛ يقدم نفسه رؤية مستعدة لمحاورة الآخر الذي يقبل به طرفا في المجتمع، يعيش حاضره، ولا يهمل ماضيه، مع تطلعه للمستقبل.
- تحضر صورة المتطرف في الرواية شخصية متعصبة لرأيها، تحتكر فهم الدين، وتلغي الآخر المختلف، وتهدد بتصفيته، تعيش في الماضي، وتؤسس رؤيتها على النقل دون العقل.
- نسجل نقطة مهمة عبرت عن وضع  نفسي وصلت إليه الكتابة وخلفها الكاتب، وهي النهاية المتشائمة التي تخلص إليها الرواية، وهو ما تكشفه اللغة وهي تشرف على وضع نقطة النهاية، تعبيرا عن أزمة أو ورطة إنسانية، وتمزق في الوجدان، أحدث اضطرابا فكريا لدى الجماعة عبر عنه الكاتب بلغة الرواية، وهي ميزة الرواية الجزائرية المعاصرة التي اتخذت الأزمة موضوعا لها. لذا جاء النص محاولة لتجاوز الإحساس بالعطب الذي كان يقلق الذات الجزائرية، أثناء عبورها دهاليز الزمن، وتدحرجها عبر اللحظات الوجودية المختلفة المفعمة بالعنف.

الهوامش:
(1) – ياسين النصير: الرواية و المكان، دار الشؤون العامة، بغداد، العراق 1986 ص 17
(2) – عبد الصمد زايد: المكان في الرواية العربية الصورة و الدلالة، دار محمد علي، تونس ط1/2003 ص 9
(3) – مراد عبد الرحمان مبروك: جيوبوليتيكا النص الأدبي –تضاريس الفضاء الروائي نموذجا- دار الوفاء، إسكندرية ط1/2002 ص9
(4) – ديفيد هارفي: حالة ما بعد الحداثة، بحث في أصول التغيير الثقافي، ترجمة محمد شيا المنظمة العربية للترجمة، بيروت ط1/2005 ص243
(5) – رشيد بن مالك: سيمياء الفضاء في رواية ريح الجنوب، مجلة اللغة و الأدب، معهد اللغة العربية وآدابها، جامعة الجزائر، ع13/شعبان1419/ديسمبر1998ص41
(6) – الطاهر والطار: الشمعة و الدهاليز، منشورات التبيين، الجاحظية الجزائر 1995 ص 189
(7) – المصدر نفسه ص60
(8) – حسام الخطيب، رمضان بسطاويسي محمد: آفاق الإبداع و مرجعيته في عصر المعلوماتية، دار الفكر المعاصر، بيروت ط1/2001 ص44
(9) – فاطمة الوهيبي: المكان و الجسد و القصيدة، المواجهة و تجليات الذات، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغربنط1/2005 ص32
(10) – الطاهر و الطار: المصدر السابق ص17
(11) – المصدر نفسه ص17
(12)– منصور قيسومة: الرواية العربية الإشكال و التشكل، دار سحر للنشر، تونس ط1/1997 ص 80
(13) – يمنى العيد: الكتابة: تحول في التحول، دار الآداب بيروت ط1/1993 ص 39
(14) – الطاهر والطار: المصدر السابق ص 116
(15) – روجر آلن: الرواية العربية، تر حصة  إبراهيم المنيف، المجلس الأعلى للثقافة، مصر 1997 ص 14
(16) -  الطاهر و الطار: المصدر السابق ص 134
(17) – عبد الصمد زايد: المكان في الرواية العربية الصورة و الدلالة ص 159
(18)– نبيلة إبراهيم: نقد الرواية من وجهة نظر الدراسات اللغوية الحديثة، دار غريب، مصر دون طبعة، دون سنة ص 203
(19) – عبد الصمد زايد: المرجع السابق ص10
(20) – سيزا قاسم: بناء الرواية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر 1984ص 34
(21)– مها حسن القطراوي: الزمن في الرواية العربية، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت ط1- 2004ص12ص38
(22) – نعيم عطية: دلالة الزمن في الرواية الحديثة، مجلة المجلة، الهيئة المصرية العامة للتأليف و النشر عدد 170 فبراير1971ص19
(23) – أ . أ . مندلاو: الزمن و الرواية، ترجمة بكر عباس، دار صادر، بيروت ط1 – 1997 ص39
(24) – مريم فرنسيس: في بناء النص و دلالته (محاور الإحالة الكلامية)، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1998 ص5
(25)– الطاهر وطار: المصدر السابق ص 17
(26)– سعيد يقطين: القراءة و التجربة حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد في المغرب، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب ط1/1985 ص89
(27) – الطاهر وطار: المصدر السابق ص 8
(28) – المصدر نفسه ص 8
(29)– المصدرنفسه ص 204
(30)– المصدر نفسه ص 207
(31)– أ،أ، مندولاو: المرجع السابق ص 137
(32)– محمد رجب الباردي: شخص المثقف في الرواية العربية المعاصرة، الدار التونسية للنشر، تونس 1993 ص 52
(33) – سامي سويدان: جدلية الحوار في الثقافة و النقد، دار الآداب، بيروت ط1/ 1995 ص129
(34) – الطاهر والطار: المصدر السابق ص 9
(35) – المصدر نفسه ص10
(36) – المصدر نفسه ص 13
(37) – المصدر نفسه ص 21
(38)– المصدر نفسه ص 21
(39)– المصدر نفسه ص 21
(40) – المصدر نفسه ص 9
(41) – المصدر نفسه ص 191
(42) – عفيف فراج: البطل الهرب إلى الشمال يعود لمواجهة الجنوب ( أدب عبد الرحمن منيف الروائي) مجلة الفكر العربي المعاصر،مركز الإنماء القومي، بيروت، العدد 34/ ربيع 1985 ص 42 
(43) – الطاهر وطار: المصدر السابق ص 11
(44) – ميخائيل باختين: الكلمة في الرواية، ترجمة يوسف حلاق، منشورات وزارة الثقافة، دمشقط1/1988 ص 110
(45) – الطاهروطار: المصدر السابق ص 87
(46) – المصدر نفسه ص 87
(47)– لوسيان غولدمان: البنيوية التكوينية و النقد الأدبي، ترجمة محمد سبيلا، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت ط1/1984 ص28
(48) – الطاهر وطار: المصدر السابق ص 17
(49)– المصدر نفسه ص 18
(50) – المصدر نفسه ص 18
(51) – المصدر نفسه ص 18
(52) – المصدر نفسه ص 22
(53) – المصدر نفسه ص 92
(54 ) – المصدرنفسه ص 178
(55)– الطاهر وطار: المصدر السابق ص 26
(56) – المصدر نفسه ص 27
(57) – المصدر نفسه ص 27
(58) – المصدرنفسه ص 28
(59) – المصدر نفسه ص 25
(60)– المصدر نفسه ص 95
(61)– المصدر نفسه ص 95

المصدر: مجلة الموقف الأدبي،اتحاد كتاب العرب، السنة الرابعة والأربعون العدد535 تشرين الثاني 2015



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نظرية الخلق

الشريف حبيلة جامعة منتوري- قسنطينة1 نشأة نظرية الخلق [1] : تعود نشأة نظرية الخلق إلى النصف الثاني من القرن 19 في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا مع بروز دعوة (الفن للفن)، ومناداة (أندرو سيسيل برادلي) إلى (الشعر للشعر) إضافة إلى صعود المذهب الرمزي في الشعر، وكان اسم (الخلق) بديلاً للتعبير والمحاكاة والانعكاس، في امتلاك منطق نظري يحيل على الخلق الأدبي أوالفني للعمل، أي إلى الابتكار التقني، وليس إلى علاقة بينه وبين مؤلفه أو بينه وبين الواقع الخارجي الذي يصوِّره. وإذا كانت نظرية التعبير استجابة للحرية ولشعور الفردية في الأوضاع التي صعدت فيها الطبقة الوسطى بعد قيام الثورة الفرنسية واندحار الإقطاع ونهضة الصناعة، فإن نظرية الخلق تنطوي على خيبة أمل في طغيان الذاتية وفردية الإنسان بالمعنى الرومانسي. فالأدب حين يغدو رهناً للرغبات، وحين يرتبط بأي قيمة أخرى غير القيمة الجمالية يصبح ملوَّثاً ومفارقاً للنقاء. ومن هذه الوجهة يرصد المؤرخون لتاريخ النظرية والفلسفة الجمالية الانحطاط السياسي والاقتصادي والفكري في فترة صعود نظرية الخلق، لكن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الرصد هو وصف الانحطاط الأدبي من ...

المنهج التاريخي

                                                                                          أ. د الشريف حبيلة             جامعة منتوري- قسنطينة 1 مقدمة: للتاريخ معنيان عام وخاص: المعنى العام هو منهج البحوث التي تنظر إلى الفرد في علاقته بالتطور البشري، وفي الحقل الأدبي، وتقتضي دراسة الأديب أو الحركات الأدبية العامة تبعا للتطور الفني والاجتماعي والسياسي والديني. والمعنى الخاص هو ارتباط الحدث، الزمن كسلسلة منظمة حسب نسق زمني أو دراسة أعمال أدبية معينة بحسب تسلسلها التاريخي أو بمعزل عنه. ولا يمكن عزل هذا ال...