الشريف حبيلة
قسم اللغة والأدب العربي
جامعة منتوري- قسنطينة1
العنف إشكالية
معقدة، تتجاوز البعد السياسي والاجتماعي، لتصاحب كل عمل قولي أو فعلي، يقترن في
جوهره بكل ممارسة تحويلية اجتماعية كانت، أو ثقافية، أوخطابية. فهو سلوك فعلي أو قولي يستخدم القوة، أو يهدد باستخدامها لإلحاق الضرر والأذى
بالذات، أو بالأشخاص الآخرين، وتخريب الممتلكات للتأثير على إرادة المستهدف. وانطلاقا
من هذا المفهوم يتحدد العنف بأنه الفعل الذي يمس كيان الإنسان ملحقا بالغير الضرر المادي
والجسدي والنفسي و الفكري و العقدي.
وتتحدد أشكاله في
العنف الحكومي الذي يوجهه النظام إلى المواطنين، أو إلى جماعات أو عناصر معينة،
وذلك لضمان استمراره، وتقليص القوى المعارضة، والمنازعة له، ويمارس النظام العنف
من خلال أجهزته القهرية كالجيش والشرطة، والمخابرات، والقوانين الاستثنائية.
والعنف الشعبي الموجه من طرف المواطنين
إلى النظام، وهناك نوعان من العنف الشعبي تمارسه أجنحة السلطة بعضها ضد بعض، أو
قوى وجماعات ضد قوى وجماعات منافسة لأسباب سياسية أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو
دينية، وعادة ما يرتبط العنف الشعبي بمسألة شرعية النظام التي تأخذ في التآكل
نتيجة عدم كفاءة أداته الاقتصادية، وكذا لغياب آليات التوزيع العادل للثروة،
والسلطة والقوة.
ويمكن إضافة العنف
الاجتماعي الذي يتمظهر في شكل أفعال منفردة أوجماعية منعزلة، تستهدف الأشخاص
والجماعة، والمؤسسات سواء كان الفعل ضربا أوسطوا، أو اغتصابا أو تكسيرا، ويتمظهر
أيضا في المادة الإعلامية التي تقدمها وسائل الإعلام المختلفة خاصة التلفزيون(1). فليس من الغرابة أن تتحدد أشكال
العنف، واستراتيجياتها حسب أهدافها ومقاصدها <<لأن الهيمنة بالقوة والظلم و
المصالح الضيقة لا تنتج إلا الصمود بالقوة والإرهاب في كنهه هو أقصى تمظهرات العنف
وأشده، لأنه لا يعترف للحياة حقا عند الآخر، ما لم يكف الآخر عن هيمنته، فاستهدف
بذلك السياسي والعسكري والمدني والمنشآت والرموز والنساء والأطفال وغيرهم على حد السواء، بدون
ترو أو إعمال عقل>>(1). ويمكن أن نعرض أنواعا أخرى للعنف متمثلة في
إرهاب الدولة، والإرهاب المقدس (الديني)، وإرهاب الجريمة، والإرهاب المرضي،
والإرهاب السياسي المعارض، والإرهاب الثوري(2).
الإرهاب إذا هو العنف بأشكاله المختلفة والعديدة، وهو نشر الخوف والرعب والموت في
المواطنين العزل، وكل من يفعل ذلك يسمى إرهابي.
إذا تتعدد دلالات
العنف وأسباب ممارسته <<ويختلف الفاعلون لها، أو يتباين المنفعلون بها، لكن
لا تختلف نتائجها التي تستأصل الإمكانات الواعدة للحوار، أو الاختلافات، أو
المغايرة أو الوجود الحر أو الحضور الخلاق، فكل فعل من أفعال
القمع ممارسة للإرهاب، والعكس صحيح بالقدر نفسه، وكلاهما لصيق بالتعصب الذي هو أصل
لهما، ودافع أساس من دوافعهما، فالتعصب علتهما الأولى، خصوصا في المدار المغلق
الذي ينقلب به العقل على مبدئه الحيوي، فيصادر حرية غيره التي لا معنى لحريته هو
من غيرها، ويستأصل المختلف فكريا بالعنف المعنوي أو المادي فارضا ما يراه أو يحمله
عليه، على أنه الحق الوحيد والحقيقة المطلقة>>(3).
وكما أشرنا فإن
أسباب العنف تتعدد، قد تكون سياسية، اجتماعية، فكرية، عقدية، تؤدي كلها إلى نتائج
سلبية سواء متفرقة أو مجتمعة، فالانحباس الاجتماعي مثلا قد يؤدي إلى العنف، إذا
كانت وسائل فكه تؤدي إلى العنف.
في المقابل قد
تلجأ السلطة التي بيدها الثروة، إلى مواجهة تلك الوسائل بطرق تؤدي هي الأخرى إلى
إنتاج العنف، وذلك بتفكيك التماسك الاجتماعي، وتفتيت القوى والفئات التي تشكل
لحمته، فيدخل الكل في حرب ضد الكل، والنتيجة تجنيد أفراد المجتمع في مجموعات تعمل كل منها ضد الأخرى، أي تحول
المجتمع بكامله إلى طوائف تسعى كل واحدة إلى تدمير الطائفة الأخرى، أو إخضاعها بالقوة
لسلطتها(1).
هنا تتدخل الأيديولوجيا- باعتبار أن كل طائفة تتبنى أيديولوجيا ما- تعمل في
المستوى النظري على إخضاع الواقع لمبادئها النظرية و من ثم تحدد أهدافها، في
المقابل تسعى عمليا إلى تغيير هذا الواقع بما يخدم أهدافها <<فلا وجود
لأيديولوجيا تقوم بالتعبئة من أجل هدف معرفي صرف، لأنها تهدف إما إلى الحفاظ على
ما هو قائم أو تغييره، فاهتمامها المعرفي هو لخدمة سلطة قائمة أوالاستلاء على
سلطة، وإيجاد بديل لما هو قائم>>(2).
ويعد الإبداع
تجاوزا لقهر الذات يخرجها من خوفها، والرعب الذي تعيشه، فتتجاوز حدود العنف المكانية، والزمنية لتبدع عالما آخر أفضل
يقوم على أنقاض العالم الذي تعيشه، أو تبشر بمجتمع أكثر حرية، فالكتابة ما هي إلا
عمرا يبدأ بلحظة الميلاد الإبداعي <<لأن الإنسان لا يستطيع أن يبدع طالما ظل
راضخا لحدود القهر، ولكنه يبدع بالتجاوز بمعنى أن القهر هو حالة من الوعي تسبق أو
تلازم الإبداع ، لكنه ليس أبدا محرضا على الإبداع، وباعتبار أن كل إبداع هو دليل
على تجاوز لحالة القهر، فإنه بنفس القدر يعتبر دليلا دافعا على وجود
الإبداع>>(2).
هكذا صار العنف
موضوعا أدبيا خاصة النص الروائي، الذي انشغل به أكثر من غيره من النصوص الأخرى كالقصيدة والمسرح. فراح يصور الشخصيات التي
كانت أطرافا لظاهرة العنف سواء كانت ضحايا للعنف أومنتجة له، إلى جانب أشكالها ومظاهرها.
فقد اشتركت الكثير من الأعمال الروائية العربية، في رؤيتها السياسية لمسألة الحرية
والديمقراطية، كان محورها العنف السياسي بكل أشكاله، مثله الاعتقال لمجرد الاشتباه
لكل من يحمل رؤية مخالفة، دون أي دليل فعلي، وكذا استخدام وسائل القهر الجسدي
والنفسي، أثناء التحقيق، والاستنطاق، وتصوير مدى بشاعة آلة العنف والقمع، فكانت الرواية زاخرة بفصول تتحدث عن ممارسة العنف ضد الرأي المخالف من طرف أجهزة
السلطة(3).
كما اشتركت في
تصوير العنف الناتج عن الجماعات والأفراد نتيجة تعصب عقدي أوفكري أوسياسي، وكيف
تحول إلى عنف مسلح يطال الأفراد والمؤسسات التي مثلت خصما له، أو كانت بعنفها من
أسباب ظهوره، وإن اشتركت رؤية الكتاب في الشكل الأول للعنف، فإنها اختلفت حول هذا
الشكل بسبب الاختلاف الفكري والأيديولوجي. بهذا صارت الكتابة عن العنف موضوعا
فنيا، لم يتخلف النقد عن دراستها، فتناول تلك الأعمال مركزا على الظاهرة.
لقد استطاع
الروائي الكشف عن خلفيات العنف وأدواته بتناوله الشخصيات الممارسة له والضحية
أيضا، مما جعل هذه الشخصيات تواجه أفعالها العنيفة كما فعلت (سعيدة هوارة) في
روايتها ( الشمس في علبة) أين تجلس الشخصيات الممارسة للعنف في أحد المنازل تشاهد
ما أنجزته من تدمير وقتل على شريط فيديو، فتبدأ حالة من الوعي تنمو وتتطور تجاه
الفعل الذي اقترفته، هنا يصحو الضمير ويكون الرفض والاستنكار لكل ما
قامت به(2).
ويكتشف القارئ
كذلك ظاهرة العنف، ويتعرف على العقل الذي مثل خلفيتها الفكرية، والعقدية، وحولها
إلى ممارسة فعلية، فيقرأ عن شخصيات متعصبة تعاني الجمود الفكري، وتمارس الاستبداد
السياسي محافظة على امتيازات مسروقة من أصحابها الحقيقيين، تعري له الكتابة دواعي
هؤلاء وتبريراتهم الواهية لما يقترفونه من عنف ضد الآخرين مسلوبي الإرادة والحرية
مغلوب على أمرهم.
وفي الوقت نفسه
يقف على شكل آخر للعنف يمارسه المبدع، الذي وهو يصور ويواجه ظاهرة العنف، يمارس
عنفا آخر، هو عنف اللغة، والمقصود بعنف اللغة هو التأكيد على الطبيعة المادية للغة
– باعتبارها مجموعة أصوات- وتأثيرها
المادي الملموس على المتلقي، وذلك حين يتوسل الكاتب الكلمات للتأثير على القارئ،
وربما إيلامه خاصة معنويا ونفسيا، فالكلمة هي التي تقوم بالفعل هنا، ونقصد أيضا
بعنف اللغة عنفها الاجتماعي المتمثل في التناقضات
والصراعات بين اللهجات الصغرى والفصحى السائدة في النص(1)، أو بين اللهجات المنتمية لجغرافيا
مختلفة، وكذا صراع المستويات المختلفة للغة، أي أن الروائي وهو يكتب يقترف ذلك لا
محال، لذا لا تكون الكتابة بريئة وهي تكتب عن العنف؛ لأنها تقترف هذا الفعل من
خلال اللغة التي تختارها.
وإذا عدنا إلى الجزائر فإن العنف كان فظيعا وحشيا خلال حقبة التسعينيات، حصد
فضلا عن المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية أرواحا كثيرة، وخلف جراحا أيضا كثيرة
نفسية وجسدية؛ ولم يمنع انشغال الناس بالحفاظ على أنفسهم بعض الكتاب من تسجيل تلك
الوقائع في كتاباتهم الروائية، فقدموا لنا مدونة معتبرة، اتخذت العنف موضوعا لها تكشفه، وتعرض نتائجه السلبية.
(1) – علي بو عناقة: العنف
الاجتماعي المظاهر و التوتر، ملتقى العنف و المجتمع،مداخل معرفية متعددة، أعمال
الملتقى الدولي الأول9610 مارس2003 كلية الآداب و العلوم الاجتماعية و الإنسانية،
قسم علم النفس- علم الاجتماع ص 89
(2) – نبيل سليمان: اإرهاب في
الخطاب الروائي العربي، تونس، السعودية، سوريا، مصر، مجلة فصول، الهيئة المصرية
العامة للكتاب ع61/شتاء2003 ص207
(3) – جابر عصفور: مواجهة
الإرهاب قراءات في الأدب المعاصر، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب،مصر 2003
ص13
(1) – حامد خليل: الحوار و
الصدام في الثقافة العربية المعاصرة، دار المدى للثقافة و النشر، دمشق
ط1/2001 ص20
(3) – حمدي حسين: الرؤية
السياسية في الرواية الواقعية في مصر 1965- 1975 ، مكتبة الآداب القاهرة ط1/ 1994
ص171
(1) – انظر جان جاك لوسركل :
عنف اللغة، ترجمة محمد بدوي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت ط1/ 2005، الفصل
السادس (عنف اللغة)
تعليقات
إرسال تعليق